الأحد 21 أبريل 2024 12:39 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور عادل القليعي يكتب : الخطاب الديني في مواجهة الانحرافات العقدية والأخلاقية (١-٤ ).

دكتور عادل القليعى
دكتور عادل القليعى

لماذا هذا الموضوع بعينه في هذه الأيام ، نقول
الساكت عن الحق شيطان أخرس ، ونعوذ بالله أن نلقى الله ونحن شياطين خرس ساكتين عن الحق وقوله هذه واحدة
أما الثانية كثر الخبث وزاد المتنطعون الذين ليس لهم هم اللهم إلا زعزعة المعتقد في نفوس الناس ، تشكيكا تارة وسبا وقذفا تارة أخرى ، وتطاول على كتاب الله وسنة النبي تارة ثالثة من أجل ماذا ، لا ندري ، فقد تكون حفنة نقود تملأ خزائنهم ، وملبس راق وما هو براق يواري سوأتهم وما هو بمواريها وإن واراها ماديا فلم ولن يواريها معنويا.
أما الرابعة فاشتد وطيس الإنحرافات الأخلاقية ، فأصبح أفعل ما شئت فأنت حر ، أفعل ما شئت دون رقيب أو رقابة ، أفعل ما يتراءى لك دون حرج ولاخجل فالكل مباح ، المخدرات بأنواعها مباحة فى الشوارع ، فى النوادي ، فى المدارس والجامعات ، كل مباح ومستباح ، أصبح الفعل الرذيل فاضل ، والمتمسك بقيمه ومبادئه رذيل وممقوت.
أما الخامسة ، انسحاق الضمير الفردي وانصهاره وذوبانه في الضمير الجمعي ، الكل يفعل ، الكل يرتشي ، الكل يسرق ، وأنا المتمسك ماذا فعلت بتمسكي بنزاهتي وقيمي لا أجد ما اقتات به ، لا أجد ما أكمل به حتى شهري ، فلماذا لا أفعل مثل الآخرين ، نعطي قيمنا إجازة إجبارية فرضتها علينا وفرضتها الظروف ، طبعا لا أصدر الأحكام على عواهنها -الا ما رحم ربي -وهنا يأتي السؤال الذي يؤرق مضاجع المفكرين الخلص المهمومين بقضايا واقعهم المعيش الذين ليس لهم هم إلا الحفاظ على البقية المتبقية من قيمنا وثوابتنا ، لعل الإله يحدث بعد ذلك أمرا ، وتحدث المفاجأة وما ذلك على الله بعزيز ، يحدث اللطف الإلهي ، الله لطيف بعباده ، ونعود سيرتنا الأولي ويمن علينا بمن يأخذ بأيدينا من هذه الغياهب والغيابات إلى نور كوكب دري يضيئ لنا طرقنا فنرى الحق حقا والباطل باطلا ، الخير خيرا ، والشر شرا ، نعود فترعي الذئاب الأغنام ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا وعسى تمني تحقق الأمر ، لكن كيف وأين ومتى ومن هذا الذي سيأخذ بأيدينا ويخرجنا من الظلمات إلى النور ، ذلك هو السؤال.
أما إجابته ، فسأبدأ من حيث سأنتهي ، بمعنى سيكولوجية التغيير تبدأ من الداخل ، وإذا ما حدث أو حدثت حتى المحاولة سينعكس على الخارج ، بمعني إيقاظ الضمير الفردي والعقل والقلب والروح الفردي الذي هو بدوره مكون أصيل لكل هذه المفردات الجمعية ، فالإنسان بطبيعته حيوان عاقل إجتماعي أخلاقي يحب العيش في جماعة.
إذن نبدأ التغيير من أنفسنا وبعدها نطلب العون من الله أن يقيض لنا من يمد يد العون لنا بخطاب ديني توعوي إرشادي حق مستقيم لا عوج فيه ولا أمتا ، معلوم المصدر لا لبس فيه ولا مراء.
نأتي أولا: إلى صنوف الإنحراف العقدية والتي تنعكس بدورها على الإنحرافات الأخلاقية، فلا خلق دون دين ولا دين دون أخلاق، شاهدي على ذلك حديث النبي الذي دشن لفلسفة في التربية الخلقية، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.
نبدأ بالخلط واللبس والشطط الذي أثارته كثير من الفرق الكلامية ، فنجد على سبيل المثال الخوارج الذين دشنوا مبدأ لهم امتدت آثاره إلى واقعنا المعاصر ، هذا المبدأ هو التكفير ، فكفروا كل من لا يؤمن بمذهبهم وكل من لا يعتنق فكرهم فهو كافر خارج عن الجماعة ولا تتم معاملته ولا مزاوجته ولا حتى إن مات يدفن في مقابرهم ، وسار على هذا الدرب كثير من جماعات التكفير وبدأوا يحدثوا ما يحدثوه من فريات وشبهات وفتاوى ضيزي بالقتل وسفك الدماء ، شاهدنا ذلك عند الدواعش وتنظيم القاعدة ومن أطلقوا على أنفسهم الجماعات الجهادية وما شهدته سيناء الحبيبة من عمليات إرهابية استهدفت خيرة شبابنا ، أليس هذا انحراف عن عقيدتنا السمحة ، هل علمتم أن ديننا أباح سفك الدماء وترويع الآمنين، واقتحام المساجد والكنائس ، لا والله لم يأمرنا الله تعالى بذلك بل أمر ربي بالقسط وأيده نبيه الأغر صلى الله عليه وسلم.
قس على ذلك السبائية التي ألهت علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، والمرجئة والشيعة بطوائفها والمعتزلة التي اتخذت من التأويل طريقا تضليلا بحجة إثبات التنزيه ، والتى جعلت من الحرية شعارا لها ، وليس الأشاعرة بأفضل منهم مع بعض التخفيف ، ألم يقولوا الله خالق للأفعال والعبد كاسبها.
ألم تؤثر هذه الآراء سلبا على كثير من عقول الشباب الذين يتشدقون سفها وينطقون جهلا بالقيمة العليا التي وهبها الله لنا ، الحرية ، أفعل ما أشاء وفي أي وقت أشاء ، أنا حر ما لم أضر.
تعلق بهذا الآراء كثير من الأبواق التي ظهرت وطفت على الساحة الفكرية الإسلامية من خلال نوافذ إعلامية مسلطة لتخريب عقول الشباب بدعوى الدين يقول كذا ، يدسون سمومهم وينفثونها كالأفاعي لهدم وزلزلة أركان المعتقد في قلوب الشباب ،والنتيجة، ما نراه الآن ، حدث ولا حرج ، تغريب عن الهوية الدينية ، قصات شعر غريبة ، ملبس أغرب ، سلاسل ذهبية، شذوذ جنسي ومثلية ، نعم اختلط الحابل بالنابل ، هذا بالنسبة للشكل العام الإطار ، الصورة ، أما المضمون بات خربا أجوف ، فلتسألوا بعض الشباب كم تحفظون من كتاب الله ، كم حديث تحفظون ، هذه الأغنية من صاحبها الإجابة على الفور المغني الفلاني ، أليس هذا هو التغريب بعينه ، لا أقصد بالتغريب أن يسير على النهج الغربي الأوربي ، وإنما التغريب ، غربنة الإنسان صاحب الدين عن دينه.
السيدات والسادة الإنحرافات الدينية كثيرة ، فهل أتاكم نبأ القاديانية ، البهائية ، القرآنيون ، كل أولئك الذين يريدون استحداث دين جديد ، دين غلى هواهم بغية المعاصرة والحداثة والمواكبة ، نأخذ من الدين ما يتوافق مع هوانا ونطرح ما لا يتوافق عبثا بثوابتنا وبقيمنا ، ولو فكر هؤلاء قليلا لوجدنا أن الدين حركي ديناميكي مواكب لكل جديد ، معاصر لكل عصر يصلح لكل زمان ومكان ، شريطة توظيف الثابت لخدمة المتغير ، الثابت المعتقد ، المتغير الواقع ، وفقا لفقه الضرورة ، أليس ذلك حداثة ، أم أن الحداثة تتمثل في الأمركة والأوربة ، حتى هؤلاء تعرضت حداثتهم للانتقادات من بني جلدتهم لأنهم اعملوا الفصلنة في حداثتهم وفصلوا الدين عن الدنيا ، فأصبحت حياتهم ضنكا وعيشهم نكدا حتى وإن كانت قد انتصرت حداثتهم في ماديتهم إلا إنها فشلت فشلا ذريعا في النهوض بجوانيتهم بذواتهم فباتوا يتخبطون يمينا ويسارا ، كالذي يتخبطه الشيطان من المس ، لا هو قادر على مواصلة سيره ولا هو قادر على العودة إلى الوراء (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ، الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا).
السيدات والسادة أليس الطعن على الأئمة ، الفقهاء الأربعة والتشكيك في مذاهبهم انحراف عقدي ، ألم ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التطاول على العلماء أليسوا هم ورثة الأنبياء.
أليس التطاول على كتاب الله وسنة رسوله وإنكار معلوم من الدين إنحرافات عقدية وللأسف من بعض المنسوبين للدين.
أليس خوض الرويبضة فى الأمور العامة ، والفتاوى التي تصم لها الآذان انحراف عن المعتقد ، فمن هؤلاء اللواتي يتحدثن عن المرأة وحقوق المرأة وهدم الأسرة المصرية برمتها ، ألم يكفل الإسلام حقوق المرأة كاملة ، فى حسن المعاشرة، في المواريث ، حتي في الطلاق ، (فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون)
ثم أليس إدعاء النبوة من أشخاص موتورين إنحرافات عن العقيدة ، وادعاء المهدي المنتظر وظهور المسيح الدجال في البلد الفلاني والمكان العلاني أليست كل هذه الأمور ، إنحرافات عن المعتقد الصحيح والتي من الممكن أن تثير فتن وبلبلة وتشكيك في المعتقد.
ثم ظهور البدع النكرة والأمور المستحدثة الدخلية على الدين ، وإذا ما ذكرت البدع فحدث ولا حرج مما فتح مجالا للدجلة والمشعوذة والسحرة
أليس كل ذلك إنحرافات عن العقيدة السمحة الغراء.
هذا تشخيص للداء ، أما الدواء واتمنى أن يكون علاجا ناجعا.
1-نبدأ من البيت بمعنى خطاب ديني محدود ، كيف يكون ذلك عن طريق لم شمل الأسرة بجلسة ولو حتى أسبوعية لمدارسة كتاب الله تعالى وشرح حديث للنبي ومدارسة سير الصحابة وأمهات المؤمنين.
2-نعمل أن التقدم التقني له ايجابياته إذا ما وظف توظيفا صحيحا ، وله أيضا سلبياته ، فبيدنا نغلق على كل ما هو غث ، كل من يشكك فى الدين ، كل من يثير شبهة حول المعتقد نغلق الشاشة في وجهه مبينين خطورته للأبناء والأزواج والحفدة.
3-خطاب ديني شمولى ، بمعنى الإستماع إلى دروس العلم الشرعي والفقهي وتلقيه من علماء ثقاة يؤخذ منهم علم لا من شيوخ التوك شو ، شيوخ يمتلكون الحجة والبرهان والدليل الاقناعي ، معتمدين من الأزهر الشريف ، يعلتون منبر رسول الله حسبة لله تعالى.
يظهرون على شاشات التلفاز ناصحين لله تعالى لا يريدون جزاء ولا شكورا.
4-المواظبة على المتابعة والمحاسبة من الجهات المختصة وعقد دورات تدريبية وورش عمل يكون مكانها موثق ومعلوم كمعهد إعداد الدعاة ومشيخة الأزهر الشريف والمجلس الأعلى للشئؤون الإسلامية.
كذلك مراقبة دور تحفيظ القرآن الكريم ، وخصوصاً القائمين عليها الذين يسخرون المعلمات الحفظة للعمل بالمجان وهم يجنون من الطلاب مبالغ طائلة فلابد من تشديد الرقابة على هؤلاء وللأسف هم كثر.
هذا بالنسبة للخطاب الديني ومواجهته الإنحرافات العقدية ، أما الإنحرافات الأخلاقية وكيفية مواجهتها بخطاب ديني منضبط ففي الجزء الثاني من هذا المقال.

أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان.