الإثنين 15 أبريل 2024 05:40 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتبه الجزائريه مريم عرجون تكتب : فلسطين تحت القصف واللثام

 الكاتبه الجزائريه مريم عرجون
الكاتبه الجزائريه مريم عرجون

رحلنا جمعيا إلى فضاءات الأسئلة الكبرى أو ربما لا تتح لنا الفرصة للسؤال، فالحياة تمضي، والعمر بنا يسير وسؤالنا باق لمن يقرأ السطور من يا ترى من يكتب الفصل الأخير لقصة فلسطين تحت القصف، وتحت لثام أبو عيون جميلة؟
أرفض أن أبدأ فحروفي مرتابة لا صرف، لا بناء، و لا نحو، وزائل أنا ودار البلاء معجم، وكيف لشحيح أن يكتب نثرا، وشعرا، وحبا، وحزنا، أمام أبجديتها التي لا تغرف، إن ألفاظنا حجارة، وصراخ غزة نداء يرفع به الآذان، فلسطين التي صارت قطعة جوهر مبعثر، تزف صور نذكرها أكثر من تذكرنا، وآل أمامها الوطن، والسلام، والمنظمات، والعروبة، والإسلام ريقا مرا كالحنظل، وصرنا مثل الرمة البالية، فتمهل يا أيها الطين، يا إبن هاته الطين الخالية على عروشها، كيف لا تصبح أقلامنا خنادق، وبنادق، ومشانق، وهذا الدرب حولنا، قاسيا، متوحشا، علمنا الغربة والجبن أكثر، والموت المتوحش، فهناك بين سحابات الدخان الأسود الخانق، ورائحة الدم الذي يعطر أنوفنا من بعد الألف ميل، وعلى ركام غزة المقصوفة، احفروا، انشوا هناك ارفعوا هذه الحجارة، زحزحوا هذا العمود الإسمنتي المحترق، لا تتوقفوا، جدوا ولو واحدا فقط من أبنائها التي تركتهم، وتوجهت لطابور الخبز والماء، يا الله ليتنا معهم نحتضنهم تحت القصف لنرحل معا، فلقد نبين أن من كفناه ودفناه بالأمس كان العالم وليس غزة، فغزة وأبناءها لا زالوا تحت كومة القصف يصلون، وبجراحها الغائرة تدفعنا نحن للقهقهة إلى حد البكاء على أنفسنا الكريهة، الجبانة، ومن شدة الإحساس بالقهر، ومن سفالة سياسات العالم، أشعر الآن فقط بالتحرر من قيودهم، وكأنني أتحرر من سجن عربي كريه، والعرب كائن أخرس محايد، ففلسطين ليست بوضع تملك فيه رفاهية المزايدة على أحد، أو الصدح بخطابات انفعالية هوجاء، حديث الحكمة، والمسؤولية هذا برسائله الواضحة، الغامضة، سيكون عاملا مهما في دفع الجدل نحو وقف الجريمة فقط،
فيا أيتها العرب هلا وصلت أزهارها، هل بلغت صمتها المقتلع من أضلاعها، وصداها المرتد جسدا، وبلدا، ومشهد القتلى والجرحى من نساء، والأطفال، والأبرياء، والمسنين، وآلاف المشردين، والناجون حظا من القصف، ليموتوا قهرا من حصار، وجوع، وعجز، وكل هذا إلا أنكم تدركون أنه تصفية جماعية، وإبادة ممنهجة من طرف جرذ مجاري مجنون سموه صهيون، أتم أبشع الجرائم ضد الإنسانية وأمام أعيننا، فأين هو القانون الدُّوَليّ، وحقوق الإنسان والطفولة، والكرامة، وقداسة الإسلام، أو القدسية حسب الانتماء، فلا تلزموا أنفسكم في منظماتكم البهلوانية، وميثاقكم، ولا تلزموا أنفسكم بالإيمان بقدسية أولى القبلتين، فيكفي أن شعبها يدرك أنه ذو حق أصيل في إقامة دولته المستقلة ذات الهوية التاريخية، والسيادة، والإسلامية الموثقة للقدس، ففلسطين ترسخت عندها القناعة التامة على جهودكم المضاعفة، وترى مصداقيتكم، وشعاراتكم التي ترقص فوق طاولات المساومة أمام سلالة فاسدة ضالة.
فلسطين يا دُرّة الديار، و يا بداية الرشد، اسندي رأسك على الضلع المضطرب، ثرثري يا غزة واصنعي ثورة تكسر كل همهمات الكذب وسيري كاللهب بين مضارب العرب، و أرجمينا، فلسنا إخوانكم، لأن وجوهنا تلطخت بوحل دمائكم، ولنا خزي في الدنيا نكالا من الله، أجلسنا في هاوية الحياة، نذرف مأساتنا التي تنتحر عارية، باردة، مهجورة، ومن المؤسف أن يلتصق بذاكرتنا معاناتكم، جوعكم، موتكم، ونداءكم من وراء شاشاتنا الغبية، و لن يكون الزمن كفيل برتق صدعها، فالعمر يمضي بنا وكل شيء يمضي، إلا جبننا أمام فلسطين العزة جلاد لا يمضي، ثابت من تمام جوده حتى يوم الميعاد.
فقم أيها الملثم، عند بواباتنا الصدئة تموت الحكمة، وتشرق غزة من تحت لثمك المحكم، بكيتم، واشتكيتم من ذئب، وجزار، وجار، وأخ ظالم غدار، وعيوننا التي غفت على الجوع والضنى، والنساء، والصغار، ماتت بها النخوة وصرنا أجداثا، وغبارا يتراقص في ملاهي صهيون، فانهض أيها الشعب الملثم وزمل القدس، ثم دون كل عار احتماه عار، كما دونا نحن ثورة الأحرار.
الأحبة في كل مكان، لا زلنا أونلاين، والدم جاري عند أبوابنا المرصودة، و بالرغْم كل هذا التوحش اطمئنوا وطمئنونا، فحدائق الرحمان لا يدخلها جميع البشر.