الجمعة 29 أغسطس 2025 06:41 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور علاء الحمزاوى يكتب : سماحة الإسلام:

دكتور علاء الحمزاوى
دكتور علاء الحمزاوى

ــ «قيل لرسولِ اللهِ: أيُّ الأديانِ أحبُّ إليكَ؟ قال: الحنيفيةُ السَّمْحَةُ»، وهي ملة إبراهيم التي أُمِرنا باتباعها؛ قال ربنا: {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}، والحنيفية من الفعل حَنَف: مال، والحَنْف: الميل، ونُعِت إبراهيم بالحنيف لميله عن الشرك وأخلاقه إلى التوحيد وأخلاقه؛ فصار الحَنْف بمعنى الاستقامة، والحنيفية الدين المستقيم، والسَّمْحة صفة مشبَّهة من السماحة تدل على الثبوت والملازمة لصاحبها، يقال: إنسان سمْح أي أن السماحة صفة متأصلة فيه، ودِين سَمْحٌ وشريعة سَمْحَةٌ، ولا يقال: شريعة سمحاء، والسَّماحة تعني الرفق واللين واليُسْر والاعتدال في العلاقات والمعاملات، ويُنعَت الإسلام بالسَّماحَة؛ لأنه يتصف بهذه الصفات دون غلو ولا تقصير، فهو الدين الملائم للفطرة السليمة.
ــ وكانت السماحة من صفات رسول الله؛ يُروَى أن قوما أسلموا فطلبوا من النبي مالا لحاجتهم إليه، فلم يجد النبي ما يعطيهم، وكان النبي غنيا منفقا ولم يكن فقيرا ممسكا، فعرض عليه يهودي أن يشتري منه تمرا معلوما في وقت معلوم مستقبلا على أن يدفع ثمنه في الحال، ويُسمَّى ذلك "بيع السَّلَف"، فوافق النبي وأخذ المال من اليهودي، وقبل موعد تسليم التمر بيومين جاءه اليهودي وجَذَبَه من قميصه قائلا: «يا محمدُ ألا تقضيني حقي؟ فواللهِ يا بني عبد المطلب إنكم قَـومُ مُطْـلٍ، فقال عُمر: يا عـدوَّ الله أتقول لرسول الله ما أسمع وتفعل به ما أرى؟ وأشهرَ سيفَه ليضربَه، فقال النبي: رويدا يا عُمَرُ كُنَّا أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا منك أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الأَدَاءِ وأن تَأْمُرَهُ بِحُسْن الطلب، اذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ فَاقْضِهِ حَقَّهُ، وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ مَكَانَ مَا روَّعتَه، فصنع عمر ذلك، فقال الرجل: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا، قال: أنا الحَبر زيد بن سَعْنة، فقال عمر: ما دعاك أن تفعل بالنبي ما فعلت؟ قال: يا عُمر كلُّ علامات النبوة عرفتُها في وجه رسول الله حين نظرْتُ إليه إلا اثنتين لم أختبرْهُما منه: أن يَسبق حِلمُه جهلَه، وألا تَزيدَه شدةُ الجَهلِ عليه إلا حِلْمًا، أُشهدُك يا عُمر أني رضيتُ بالله ربّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ نبيًّا، وأُشهدُك أنَّ شَطْر مَالي صدقةً على أمَّة محمد».
ــ لذا حثَّ النبي على التحلِّي بالسماحة فقال: «اسْمَحْ يُسْمَحْ لكَ»، أي كن هيِّنا ليِّنا سهلا مع الناس يكن الله سهلا معك أي رحيما بك متجاوزا عنك، وفي الحديث «رَحِمَ اللهُ رَجُلا سَمْحًا إذا باعَ، سَمْحًا إذا اشْتَرى، سَمْحًا إذا قَضَى، سَمْحًا إذا اقْتَضَى»، وجاءت كلمة «رَجُلا» نكرة للعموم، فلم يقل: مؤمنا ولا مسلما، وهذا يعني أن الرحمة تشمل كل إنسان سَمْحٍ مؤمنا كان أو غير مؤمن، ولا مانع من ذلك؛ لأن رحمة الله في الدنيا تشمل جميع الناس وفي الآخرة خاصة بالمؤمنين، و«سَمْحًا» سَهْلا ليِّنا، وقضى: أعطى غيره دَيْنا، واقتضى: استردَّ دَيْنه، وعبارة «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلا» إما دعاء من النبي بالرحمة لذاك الرجل السمح أو إخبار من النبي بأن الله سيرحمه، وكلا التفسيرين حَسَن؛ فالمتسامح مع الناس يتسامح الله معه فيتجاوز عنه.
ــ ومن السماحة في الإسلام التسامح الفكري مع الآخر الذي يختلف معك في الرأي أو الفكر أو المعتقد، و"التسامح الفكري" هو الإقـرار بحـق الآخرين في اعتناق أفكارهم ومعتقداتهم وآرائهم، ورفض التعصب والانغلاق العقلي، ونشر قيم الرحمة والعفو والتغافل عند الخلاف والتجاوز، واحترام آرائهم ما لم تُسِئ إلى رمـز أو فكر أو معتقد، وهذا التسامح الفكري ينطلق من مبدأ عظيم هو الحوار بالحُسنَى عملا بقول الله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، فيجب أن يكون المسلم سَمْحًا إذا تعامل أو حاور أو دايَنَ أو رافق أو خاصم أو ظُلِم، وألا يكون قاسيا متعديا في الخلاف والخصام عملا بقول الله: {وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}، وفي الحديث «أبغَضُ الرِّجالِ إلى اللَّهِ الألدُّ الخَصِمُ».

دكتور علاء الحمزاوى سماحة الإسلام: الجارديان المصرية