المحلل السياسي محمد الشافعى يكتب : الخلافات التركية الإسرائيلية: حقيقة الصراع أم سيناريو جيوسياسي


** تركيا واسرائيل .. علاقة معقدة بين التعاون والتصادم
العلاقات التركية-الإسرائيلية تمثل واحدة من أكثر العلاقات الدولية تعقيداً في الشرق الأوسط، حيث تجمع بين تعاون استراتيجي عميق في مجالات عسكرية واقتصادية وتجارية، وتوتر سياسي حاد يتجلى بشكل رئيسي في الخطابات الإعلامية والمواقف الدبلوماسية فقط خلف المنصات والميكروفونات .
هذا التباين يثير تساؤلات حول حقيقة هذه الخلافات وما إذا كانت تعكس صراعاً حقيقياً أم مجرد تمثيلية سياسية تهدف إلى تحقيق أهداف إقليمية مشتركة على حساب العرب عامة والسوريين خاصة.
• التطور التاريخي: بين التعاون والقطيعة
• الاعتراف المبكر والتحالفات الاستراتيجية: تعود العلاقات التركية الإسرائيلية إلى عام 1949 عندما كانت تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل. تطورت هذه العلاقات إلى تحالف استراتيجي شامل، خاصة في المجالات العسكرية والأمنية، حيث أصبحت إسرائيل المورد الرئيسي للأسلحة لتركيا وقامت بتحديث ترسانتها العسكرية بما في ذلك الطائرات والدبابات.
• فترات التوتر والقطيعة: شهدت العلاقات فترات توتر حاد، أبرزها بعد عدوان 1956 على مصر، وحرب 1967، والانتفاضتين الفلسطينيتين، وخاصة حادثة سفينة مرمرة عام 2010 التي قُتل فيها 9 أتراك وأدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية لعدة سنوات. كما أدت الحرب الأخيرة على غزة إلى إعلان تركيا قطع جميع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل في نوفمبر 2024 وهو مالم يحدث حتى الآن .
• طبيعة الخلافات: خطابية أم جذرية؟
. التعامل العملي: تظهر التحليلات أن الخطاب السياسي التركي، خاصة تحت قيادة أردوغان، غالباً ما يكون عدائياً وحاداً تجاه إسرائيل، بينما تستمر العلاقات الاقتصادية والعسكرية في الخفاء.
فمثلاً، بعد حادثة مرمرة عام 2010، استمرت الصفقات العسكرية بين البلدين رغم التدهور الدبلوماسي.
العامل الداخلي: يُعتقد أن الخطاب المعادي لإسرائيل يخدم أردوغان داخلياً، خاصة مع صعود حزب الرفاه الجديد اليميني المتطرف الذي يجذب أصواتاً من خلال خطاب معادٍ لإسرائيل. كما أن الرأي العام التركي يتعاطف بشدة مع الفلسطينيين، مما يضغط على الحكومة لتبني مواقف أكثر حزماً.
• التعاون الاستراتيجي: المصالح فوق الخلافات
• العلاقات العسكرية والأمنية: على الرغم من التقلبات السياسية، ظل التعاون العسكري قائماً عبر عقود، وشمل مناورات مشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وصفقات أسلحة كبرى. كما استخدمت إسرائيل الأراضي التركية للتسلل إلى المناطق الكردية في العراق وفقاً لبعض التقارير.
• العلاقات الاقتصادية: بلغت التجارة الثنائية بين البلدين 7 مليارات دولار في 2023، مما يجعل تركيا خامس أكبر مورد لإسرائيل. كما كانت اتفاقية التجارة الحرة الموقعة بين البلدين عام 2000 علامة على عمق الشراكة الاقتصادية.
• ونعرض أبرز محطات التعاون والصراع بين تركيا وإسرائيل:
الفترة طبيعة العلاقة أبرز الأحداث
1949-1955 تعاون واعتراف مبكر من تركيا بإسرائيل، اتفاقيات تجارية
1956-1967 توتر وقطع جزئي عدوان 1956، حرب 1967
1999- 2008 - تحالف استراتيجي اتفاقيات عسكرية، تدريبات مشتركة
2008 – 2016 أزمة وقطع علاقات بسبب حرب غزة، حادثة مرمرة
2016 – 2023 تطبيع محدود اعتذار إسرائيل، استئناف العلاقات
2023 – 2025 أزمة جديدة حرب غزة، قطع تركي للعلاقات لا نشاهده
• سوريا في المعادلة: تقسيم أم سيناريو مشترك؟
- التواجد التركي في سوريا: وفقاً لتقارير إسرائيلية، فإن الوجود العسكري التركي في شمال سوريا وعلاقتها مع النظام السوري الجديد برئاسة أحمد الشرع " الجولانى " قد يشكل تهديداً مستقبلياً لإسرائيل. هناك مخاوف من أن سوريا قد تصبح وكيلة لتركيا كجزء من خطة أردوغان لاستعادة نفوذ الإمبراطورية العثمانية.
- مخاوف التقسيم: تشير بعض التحليلات إلى أن الخلافات التركية-الإسرائيلية قد تكون مفتعلة لتبرير وجود الطرفين في سوريا وتقسيم النفوذ فيها، حيث تستفيد تركيا من وجود عسكري مباشر، بينما تستفيد إسرائيل من إضعاف محور المقاومة. لكن آخرين يشككون في هذه النظرية، ويشيرون إلى أن طموحات أردوغان التوسعية قد تدفع نحو صدام مباشر مع إسرائيل إذا حاول تعزيز نفوذه في سوريا بشكل مبالغ فيه بمعنى أن يكون هناك خسارة لتركيا .
• العوامل الإقليمية والدولية: الصورة الأوسع
- الدور الأمريكي: تحاول تركيا تحقيق توازن دقيق في علاقتها مع واشنطن، الحليف الرئيسي لإسرائيل. فقد رفضت أنقرة في البداية انضمام السويد إلى الناتو حتى وافقت الولايات المتحدة على صفقة طائرات F-16 لها. هذا التوازن يجعل تركيا حذرة في قطع علاقاتها مع إسرائيل.
- المحور السني والإيراني: مع إضعاف المحور الشيعي بقيادة إيران، قد تحاول تركيا ملء الفراغ في سوريا والمنطقة، مما يضعها في مواجهة محتملة مع إسرائيل. لكن بعض الخبراء يعتبرون أن أردوغان أكثر براجماتية من القيادة الإيرانية، وقد لا يخاطر بمواجهة مباشرة.
** هل هناك خلاف حقيقي أم مسرحية؟
- العلاقات التركية-الإسرائيلية هي علاقة مصلحية في الأساس، تحكمها اعتبارات استراتيجية واقتصادية أكثر من أي اعتبار آخر.
- الخلافات بين البلدين حقيقية في جوانبها السياسية والإيديولوجية، خاصة مع تباين الرؤى حول القضية الفلسطينية وطموحات الهيمنة الإقليمية.
- لكن التعاون السري في المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية يشير إلى أن كلا البلدين قادر على فصل الخلافات السياسية عن المصالح الحيوية.
- فيما يخص سوريا، لا يوجد دليل قاطع على وجود اتفاق سري لتقسيم سوريا بين تركيا وإسرائيل، لكن كلا البلدين يستفيدان من الوضع القائم في سوريا لتعزيز نفوذهما الإقليمي. المصلحة المشتركة في إضعاف الأطراف التي تعتبر معادية لهما (مثل إيران وحلفائها) قد تدفعان إلى تنسيق غير معلن، حتى في ظل استمرار الخطاب العدائي العلني.
- في النهاية، يبقى الشعب العربي هو الخاسر الأكبر من استمرار هذه المعادلة المعقدة، حيث تستخدم القضية الفلسطينية وقضايا المنطقة الأخرى كورقة تفاوض في صفقات كبرى لا يعلن عنها.