حسين السمنودى يكتب: المجازر الدموية تحت ستار الشرعية


ما نراه أمام أعيننا في الإعلام والبيانات الرسمية ليس إلا الجزء المكشوف من المشهد، بينما الحقيقة الكاملة تكمن خلف الستار حيث تُصنع القرارات، وتُدار المعارك، وتُرسم خرائط النفوذ. فخلفيات ما وراء الستار هي التي تحدد في النهاية مصائر الشعوب، وتكشف لنا أن الأحداث لم تأتِ مصادفة، بل جاءت وفق تخطيط طويل الأمد ومصالح متشابكة تتجاوز حدود ما يُعلن للناس.
عندما نقرأ التاريخ جيدًا، ندرك أن أعظم الحروب والمعاهدات لم تبدأ من القاعات المفتوحة، بل من الغرف المغلقة واللقاءات السرية. فالمعاهدات التي غيّرت خريطة الشرق الأوسط مثلًا لم تُعلن إلا بعد أن تم طبخها في دوائر خفية، والقرارات الاقتصادية الكبرى التي هزّت العالم غالبًا ما بدأت بإشارات غير مرئية بين قوى المال والنفوذ، ثم ظهرت للعلن وكأنها حدث طبيعي.
اليوم، يتجلى هذا المعنى بأوضح صوره فيما يحدث في غزة. فالعالم كله يرى صور المجازر والقصف والدمار، لكن ما وراء الستار أخطر بكثير. الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لا تكتفي بتقديم الدعم العسكري لإسرائيل، بل تعمل على إدارة المشهد إعلاميًا وسياسيًا كي تُظهر الاحتلال بمظهر المدافع عن نفسه، وتُخفي حقيقة الجرائم المنظمة التي تُرتكب بحق المدنيين العزل. الخطابات الغربية عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" ليست سوى ستار يخفي وراءه مخططًا أوسع لتصفية القضية الفلسطينية وإبقاء المنطقة رهينة لميزان قوى مفروض من الخارج.
أما إسرائيل، فهي بارعة في لعبة ما وراء الستار؛ تروّج لصور الضحية أمام الإعلام الغربي، بينما تمارس خلف الكواليس سياسات التهجير القسري، وتجويع السكان، وفرض حصار خانق على غزة منذ سنوات. بل إن كثيرًا من عملياتها العسكرية تكون مرتبطة بتوقيتات دولية أو انتخابية في الداخل الإسرائيلي، بحيث تُستخدم دماء الفلسطينيين كورقة ضغط في موازين السياسة.
وإذا عدنا إلى الوراء قليلًا، سنجد أن ما يحدث في غزة اليوم امتداد لما جرى في محطات سابقة. ففي العراق عام 2003، رفعت الولايات المتحدة شعار "أسلحة الدمار الشامل" كستار إعلامي يبرر غزوًا مدمِّرًا، ثم اتضح بعد سنوات أن هذه الذريعة لم تكن سوى كذبة كبيرة لتمرير مخطط استراتيجي هدفه السيطرة على النفط وإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة. وكذلك في لبنان عام 2006، حين شنت إسرائيل حربًا ضروسًا بذريعة أسر جنودها، بينما كانت الخلفيات الحقيقية تتعلق بمحاولة كسر المقاومة وفرض واقع سياسي جديد يخدم مصالحها. وفي كلتا الحالتين، كان الإعلام الغربي يغطي على هذه الحقائق، ليبقى الرأي العام الدولي أسير الرواية التي صيغت له بعناية خلف الكواليس.
والمشهد لا يقتصر على منطقتنا وحدها. ففي البوسنة والهرسك خلال التسعينيات، ارتُكبت مجازر مروعة بحق المسلمين، قُتل فيها الآلاف بدم بارد، بينما وقف المجتمع الدولي متفرجًا بحجة "الشرعية الدولية" والانتظار حتى يتحرك مجلس الأمن. وفي الحقيقة، كانت القوى الكبرى تدير الأزمة خلف الأبواب المغلقة، لتُترك البوسنة تحترق حتى تنضج التسويات السياسية التي يريدونها. كذلك في رواندا، ارتُكبت إبادة جماعية قُتل فيها مئات الآلاف، والعالم يتحدث عن "التوازن والشرعية"، بينما لم يتحرك أحد إلا بعد أن تحققت مصالحه. وحتى في جنوب أفريقيا، ظل نظام الفصل العنصري قائمًا لعقود طويلة تحت حماية الغرب، وتُبرر جرائمه بحجة "حماية الأمن والاستقرار" قبل أن ينهار تحت ضغط المقاومة الشعبية والإرادة الدولية المتأخرة.
ولم يكن دور أمريكا وإسرائيل الخبيث مقتصرًا على فلسطين وحدها، بل امتد في محاولاتهم المستمرة لتقزيم دور مصر التاريخي والريادي في المنطقة. فمصر التي طالما كانت حجر الزاوية في القضايا العربية والإسلامية، يحاولون محاصرتها سياسيًا واقتصاديًا، وإظهارها في صورة الدولة المنغلقة أو العاجزة عن التأثير، بينما هم في الخفاء يدركون تمامًا أن القاهرة هي الرقم الأصعب في أي معادلة تخص الشرق الأوسط.
يظهر ذلك بوضوح في ملف سد النهضة، حيث تحركت بعض القوى الغربية في الخفاء لدعم الموقف الإثيوبي، ليس حبًا في إثيوبيا، وإنما رغبة في الضغط على مصر وابتزازها مائيًا. وما يُقال على المنابر السياسية من "دعم الحوار" و"التفاهم المتبادل" ما هو إلا ستار زائف يخالف تمامًا ما يُخطط له داخل الغرف المغلقة، حيث تُعطى لإثيوبيا إشارات ضمنية للاستمرار في فرض الأمر الواقع على حساب أمن مصر المائي.
كما أن المشهد في غزة يفضح هذه الازدواجية. فبينما تظهر أمريكا وأوروبا في الإعلام وكأنها تُشيد بدور مصر في الوساطة و"الحفاظ على الاستقرار"، نجدهم في الخفاء يعملون على تقزيم هذا الدور، ويحاولون اختصار دور القاهرة في مجرد "معبر حدودي"، متجاهلين أن مصر تاريخيًا كانت وما تزال العمود الفقري لأي تسوية في القضية الفلسطينية. إنهم يدركون أن مصر إذا أرادت أن تفرض معادلة جديدة فستفعل، ولذلك يسعون دائمًا إلى محاصرتها بخطابات إعلامية خادعة، وقيود سياسية واقتصادية، لإبعادها عن مركز القيادة الذي تستحقه.
ولا يقتصر هذا التآمر على السياسة فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد والإعلام والثقافة. فالغرب في العلن يتحدث عن "دعم التنمية في مصر" و"الشراكات الاقتصادية"، بينما في الخفاء تُفرض شروط مرهقة عبر المؤسسات المالية الدولية، هدفها تكبيل القرار المصري وإبقائه تحت الضغط. وفي الإعلام، تُبث تقارير مشوهة تسعى للنيل من صورة مصر عالميًا، في حين أنهم يدركون أنها الدولة الأكثر استقرارًا في منطقة مضطربة. وحتى على المستوى الثقافي، تُحاك محاولات لتشويه الهوية المصرية أو تهميش دورها التاريخي، بينما تبقى الحقيقة أنهم لا يستطيعون تجاوز مصر ولا الاستغناء عنها مهما حاولوا.
المأساة الحقيقية أن العالم يكتفي بالنظر إلى سطح الأحداث، بينما الخيوط الخفية التي تحرك المشهد أكبر بكثير مما يُعلن. الدعم اللوجستي، التدخلات السياسية، والضغوط الدبلوماسية التي تُمارس خلف الأبواب المغلقة، كلها عوامل تجعل القضية الفلسطينية رهينة لإرادة قوى كبرى لا ترى في الدم الفلسطيني إلا أداة لخدمة مصالحها.
إن إدراك "المجازر تحت ستار الشرعية" لا يعني أن نستسلم لليأس، بل أن نعي أن ما يُقدَّم لنا في الإعلام ليس الحقيقة الكاملة، وأن هناك دائمًا ما هو أخطر يُدار في الخفاء. هذا الإدراك يمنح الشعوب سلاح الوعي الذي يُمكّنها من مواجهة التضليل وتفنيد الروايات الزائفة، ويمنحها القدرة على رؤية الخطة الكبرى التي يُراد فرضها عليها.
وفي الختام، فإن ما يجري في غزة اليوم ليس مجرد حرب علنية بين طرفين، بل هو مشهد دموي تخفي وراءه أمريكا وإسرائيل مخططات أعمق لتفتيت المنطقة وإخضاعها، بينما يحاولون تغطية جرائمهم بستار من الأكاذيب الإعلامية والسياسية. والواجب على الشعوب أن ترفع هذا الستار لترى الحقيقة، وتدرك أن صمتها أو انشغالها بالمشهد السطحي هو ما يمنح العدو الفرصة لمواصلة جرائمه. فالتاريخ علّمنا أن البوسنة، ورواندا، وجنوب أفريقيا، والعراق، ولبنان كلها شواهد على أن المآسي تتكرر حين تصمت الشعوب أو تتأخر في إدراك اللعبة. وإذا لم يتحرك الوعي الجمعي الآن، فسوف تُعاد نفس المشاهد بأشكال مختلفة. إن رفع الصوت بالحق، وتوحيد الصف، والتمسك بالعدل، هو السبيل الوحيد لكسر هذا الستار وكشف الحقيقة، ليكون لنا مستقبل لا تكتبه القوى الغاشمة، بل تصنعه الشعوب الواعية المؤمنة بعدالة قضيتها.