حكايات مصيرية
الكاتب الصحفي الحسيني عبد الله يكتب : مولد النور


في الثاني عشر من ربيع الأول، تهفو القلوب وتخشع الأرواح لذكرى ميلاد سيد الخلق، وخاتم الأنبياء، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. إنها ليست مجرد مناسبة دينية، بل لحظة تاريخية وإنسانية فارقة غيّرت مجرى الحضارة، وفتحت بابًا للعدل والرحمة في عالم مزّقته الجاهلية والظلم.
*مولد في زمن الظلام*
وُلد النبي في بيئة قاحلة روحيًا، حيث عبادة الأصنام، ووأد البنات، والتمييز الطبقي. كان المجتمع القبلي العربي يعيش فوضى أخلاقية ودينية، فجاءت ولادته إيذانًا بعصر جديد، تقوم فيه القيم على التوحيد، والعدل، والتكافل.
*النبي الإنسان.. قبل أن يكون رسولًا*
ما يميز شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليس فقط كونه نبيًا مرسلًا، بل كونه إنسانًا يحمل أنقى معاني الرحمة، والصدق، والصبر. قبل البعثة عُرف بالصادق الأمين، وبعدها حمل على عاتقه همّ البشرية، حتى قال في إحدى دعواته:
*"اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون"*.
كان يعفو عمّن ظلمه، ويكرم من أساء إليه، ويُحسن معاملة الجميع، غنيًّا كان أو فقيرًا، رجلًا أو امرأة، كبيرًا أو صغيرًا.
*رسالة عالمية في جوهرها*
ما من أمة أو حضارة إلا وتحتاج في مرحلة ما إلى منقذ، ورسالة الإسلام لم تكن حكرًا على العرب، بل كانت للعالمين. أرسى النبي دعائم أول مجتمع متماسك، تحكمه القيم، لا العرق أو النسب، فكانت "الرحمة"، و"العدل"، و"الصدق"، و"الأمانة" هي القوانين الحاكمة.
ماذا تعني ذكرى المولد اليوم؟
في ظل ما يشهده العالم من صراعات، ومظاهر تفكك اجتماعي، وانهيارات أخلاقية، يصبح الرجوع إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليس أمرًا عاطفيًا بل ضرورة حضارية.
فلنجعل من هذه الذكرى وقفة تأمل حقيقية:
- هل نُجسد أخلاقه في تعاملاتنا؟
- هل نُربي أبناءنا على صدقه وتواضعه؟
- هل نعيش كما كان يقول: *"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"*؟
في ذكرى مولده، لا نُطفئ الشموع بل نُضيء القلوب بنوره، نعيد اكتشاف القيم التي دعا إليها، ونستمد من سيرته خارطة طريق لواقع يحتاج بصدق إلى محمد صلى الله عليه وسلم… لا كاسم فقط، بل كمنهج حياة.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.