السبت 30 أغسطس 2025 11:23 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. أحمد يوسف علي يكتب : قصيدة القناع

د. أحمد يوسف علي
د. أحمد يوسف علي

كتب علوي الهاشمي بحثا موسعا نشره في كتاب بعنوان" قراءة نقدية في قصيدة حياة:تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة للشاعر علي الشرقاوي". والناقد أستاذ النقد الأدبي بجامعة البحرين، وهو شاعر وكاتب مرموق له حضور قوي على ساحة النقد العربي والثقافة العربية عامة، وفي البحرين ودول الخليج العربي خاصة. وكتابه منشور للمرة الأولى عام 1989م. وكتبت عنه ثناء أنس الوجود-رحمها الله-الناقدة المصرية وأستاذة النقد الأدبي بجامعة عين شمس مقالا وافيا أعده نموذجا في قراءة القراءة أو ما يعرف بنقد النقد. لم ترح ثناء نفسها كما يفعل غيرها بالثرثرة المملة حول الكتاب، ولم تقع في فخ الانحياز الأعمى بالمدح المفرط، أو الذم المفحش، وآلت على نفسها أن تكتب نقدا علميا نزيها مستقلا يبين للقاريء الأصول المعرفية التي بنى عليها علوي الهاشمي الكتاب أو بحثه الجميل المتقن.
بنى الهاشمي كتابه أو بحثه على مفاهيم محددة ورئيسة هي: القناع، واللغة، والشعر، والرمز. وحدد هذه المفاهيم اعتمادا على ما توفر بين يديه من مراجع حين شرع في الكتابة. فالقناع كان مفهوما ضروريا لا مفر منه لأن الشاعر على الشرقاوي كتب قصيدته الطويلة مستدعيا شخصية ضاحي بن وليد، وتجربته الحياتية وهو شخصية تراثية شعبية في المجتمع البحريني.فالشاعر صوته من وراء قناع أو حجاب، ومهمة الناقد الأولى هي كشف طبيعة هذا الحجاب أو القناع.
وتوظيف هذه الشخصية في عمل شعري يعني بالضرورة أن وراءه مقاصد وغايات تتضمنها رؤية الشاعر. ودور الناقد في هذه القراءة هو التنقيب عن موقع هذا القناع في الثقافة الشعبية البحرينية، وفي عمل الشاعر من خلال لغته التي جسدت هذا القناع، ثم اكتشاف العلاقة بين الشاعر والمجتمع بما يحقق دور هذا العمل في تكوين الوعي الاجتماعي طموحا إلى عالم ممكن ينبثق من العالم القائم عبر نقده.
وقد كشف الناقد عن مستويات البناء الشعري في قصيدة الشاعر وهي قصيدة فريدة في بابها. والمستوى الاول هو القناع الذي تشكل تشكلا جماليا بعد أن استدعاه الشاعر من الموروث الشعبي. وأهم مفردات المستوى الثاني الصورة واللغة والإيقاع. وهنا ينبغي أن نشير إلى أن العلوي الناقد شاعر قبل أن يكون ناقدا، وأنه حين يكتب عن قصيدة على الشرقاوي، فإن لغة الشاعر لا تفارقه. فهذا اللون من الكتابة يجمع بين الشعر والنقد في شخصية الكاتب. والشاعر أدرى بكتابة الشعر والحالات التي تنتاب الشاعر منذ لحظة ميلاد القصيدة وما تمر به من منعطفات، وأدرى بلغة الشعر أكثر من غيره من القراء والنقاد. والعلوي هو هذا الشاعر والناقد معا. وقد نتج عن ذلك ان كتابة العلوي هي كتابة الشاعر والناقد معا، وأنه استبدل لغة الشعر بلغة النقد، وصارت كتابته في حاجة إلى قراءة أخرى تدخل في باب الكتابة على الكتابة أو نقد النقد كما تؤكد ثناء أنس الوجود رحمها الله.
أضف إلى ما سبق أن الشاعر علي الشرقاوي حين كتب قصيدته، كانت تقنية القناع هي التقنية الأثيرة لدية. والقناع الذي اختاره هو شخصية ضاحي بن وليد وهي شخصية تمتد جذورها إلى التاريخ البحريني وتراثه الشعبي. فهي إذن شخصية مغرقة في المحلية التي تجعل مهمة القاريء مهمة صعبة، وتفرض على الناقد أن يكون واسطة مستنيرة تفك مغاليق هذا القناع وتخرج به من دائرته الضيقة إلى دائرة القاريء العام في الثقافة العربية وفي غيرها من الثقافات. فدور العلوي في هذه الحالة هو دور تفكيكي وتأويلي من جهة ومن جهة أخرى هو الصلة بين الشعر الذي يفسره وبين المجتمع الذي يحمل مهمة تنويره.
ويبدو لنا أن هذه الدراسة التي قدمها العلوي ومر عليها ما يقرب من خمسة وثلاثين عاما مازالت نضرة ندية وتعلن عن ضرورة تكريس هذا النظر النقدي البصير بدور الناقد نحو الشعر، ونحو مجتمعه، وبدور الناقد في ترسيخ قيم النقد الأدبي العلمي الذي يصل بيننا وبين أمثاله من الكتابة العلمية عندنا وعند غيرنا.

د. أحمد يوسف علي قصيدة القناع الجارديان المصرية