الأحد 31 أغسطس 2025 10:17 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

خالد درة يكتب : بالعقل أقول...( ماكرون بين سندان المعارضة ﻭ مطرقة الإقتصاد... ! )

الكاتب الكبير خالد درة
الكاتب الكبير خالد درة

تواجه فرنسا أزمة اقتصادية و سياسية كبيرة لم تشهدها من قبل و هناك خياران كلاهما خاسران في مواجهة عجز الحكومة عن معالجة أزمة المديونيّة المتصاعدة .. و السيناريو المتوقع هو أن يبحث ماكرون عن رئيس حكومة جديد ، إما من اليمين المعتدل ، حزب الجمهوريين ، مثل وزير العدل جيرار دارمانان أو وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو أو وزيرة العمل كاترين لوتبين ..

فقد فاجأ رئيس الحكومة الفرنسية فرانسوا بايرو المجتمع السياسي الفرنسي يوم 25 أغسطس عندما أعلن في مؤتمر صحفي اعتزامه الطلب من الجمعية الوطنية التصويت على الثقة بمشروعه للموازنة .. و كان قبل ذلك بأربعة أيام قد التقى الرئيس إيمانويل ماكرون في مقر إجازته الصيفية Fort Brégançon ليقنعه بعقد جلسة استثنائية للبرلمان في 8 سبتمبر لطلب التصويت على الثقة بحكومته و بمشروع الموازنة الذي وضعه للخروج من أزمة مالية خطيرة في فرنسا ..
و قبل مفاجأة بايرو كان ماكرون قد فاجأ الجميع في 9 يونيو 2024 بقرار حل الجمعية الوطنية و تنظيم انتخابات تشريعية خسرها و لم تنتج منها أغلبية لأي حزب ، سوى أن تحالف اليسار الموقت حاز أكبر عدد من المقاعد النيابية .. و أوساط بايرو تقول إنه أراد المخاطرة لأنه لا يريد الانتحار و البقاء في أوضاع معطلة من دون أن يحصل على قبول موازنة وضعها لمعالجة الدين الفرنسي ، خصوصاً أن كل النقابات أعلنت التعطيل و الإضراب العام في 10 سبتمبر القادم في كل قطاعات البلد .. و ركز بايرو على الأزمة المالية التي تعانيها فرنسا و قدم مشروع موازنة لتوفير 44 مليار يورو ، و لفت إلى الوضع السيئ لمالية البلد و تهديد المديونية الباهظة وخطر عبئها ، حتى أن وزير المالية أريك لومبار لوّح بإمكان تدخل صندوق النقد الدولي إذا سقطت الحكومة .. لكن مصادر مالية استبعدت ذلك لأن بإمكان البنك المركزي الأوروبي التدخل لتهدئة الوضع ..

و فيما تتوقع الأوساط الاقتصادية الفرنسية تأثيراً سلبياً على استثمارات الشركات و على النمو ، و حذر بايرو واصفاً البلد بأنه في خطر "و على وشك فرط الاستدانة ، و بأنه منذ 20 سنة زادت الديون 12 مليون يورو إضافية كل ساعة".. و بطلبه الثقة من البرلمان يريد تنفيذ خطته الاقتصادية لإعادة ضبط المديونية من الآن حتى 2029 عبر تقليص المصاريف و زيادة الإنتاج .. لكن المرجح أن يفشل في تجديد الثقة و يستقيل لأن اليمين المتطرف و زعيمته مارين لوبين لن يعطياه الثقة ، و هذا ما أكده جوردان بارديلا رئيس حزبها "التجمع الوطني"، كما أعلن الأمين العام للحزب الاشتراكي أوليفييه فور أن لا أحد من اليسار سيصوّت بالثقة ، كذلك اليسار المتطرف الذي يتزعمه جان لوك ميلانشون ، و هو ليس نائباً ..

و السيناريو المتوقع هو أن يبحث ماكرون عن رئيس حكومة جديد ، إما من اليمين المعتدل ، حزب الجمهوريين ، مثل وزير العدل جيرار دارمانان أو وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو أو وزيرة العمل كاترين لوتبين .. لكن أي رئيس حكومة جديد سيقع في مشكلة بايرو نفسها و قبله مشكلة ميشال بارنيه ، و لن يحصل على الثقة .. و الخيار البديل لماكرون هو حل المجلس مجدداً ، و هو غير محبذ لذلك لأنه قد يتكبد المزيد من الخسارة لحزبه ، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى تدهور شعبيته ، و إذا لجأ إلى حل المجلس و تكبد خسارة أكبر فسيضطر إلى الاستقالة ، و هو احتمال سبق أن رفضه و أكد أنه سيبقى إلى نهاية عهده الثاني في 2027 ..

و تجدر الإشارة إلى أنه ليس من مصلحة زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبين أن يستقيل الآن و أن يتم تنظيم انتخابات رئاسية حالياً ، لأنها تحت حكم قضائي يمنعها من المشاركة في الانتخابات حتى عام 2029 ..
و هكذا فماكرون في مأزق سياسي حقيقي و أمامه خياران : إما تعيين رئيس حكومة آخر يتمكن من الحصول على موافقة بعض الأحزاب ، و هذا مستبعد لأن معظمهم يريد إفشاله ، و إما أن يحل الجمعية الوطنية ، ما يؤدي إلى تعطيله كلياً نظراً إلى تراجع شعبيته ..
و لا شك في أن إدارة السياسة في فرنسا منذ عهود هي من المهمات البالغة الصعوبة .. فالشعب الفرنسي يريد الحفاظ على كل التأمينات الاجتماعية و الصحية من دون أي تضحية ، فأحزاب اليسار و اليمين المتطرف تطالب بتخفيض سن التقاعد التي حددها ماكرون بـ 64 عاماً إلى 60 أو 62 عاماً ، و هذا مكلف جداً على مالية البلد ، لاسيما أن المديونية في عهد ماكرون ازدادت كثيراً في سنوات الكوفيد .. ثم إن من الصعب جداً إدخال الإصلاحات مع نفوذ نقابات يسارية متطلبة تريد الحفاظ على المكتسبات رغم المالية المتدهورة ..

فتراجع شعبية ماكرون ليس مختلفاً عن تراجع شعبية أسلافه خلال رئاساتهم .. فالجنرال شارل ديغول غادر الحكم مخذولاً من شعبه و هو الآن أيقونة فرنسا ، و الرئيس الراحل فرانسوا ميتران بقي مع حكومة تعايش من اليمين لمدة خمس سنوات ، و الرئيس الراحل جاك شيراك الذي غصت حديقة invalides بالمعزيّن به ليلاً و نهاراً بعدما كان الشعب الفرنسي ينتقد سياسته الداخلية ، هو أيضاً أجبر على التعايش لمدة خمس سنوات مع اليسار الاشتراكي .. و ماكرون كمعظم الرؤساء في فرنسا عاجز عن الحفاظ على تأييد الشعب الفرنسي الذي يلومه ، إما لأنه لا يسمع أو لأنه يعتقد أنه لامع و دائماً على حق فيما الشعب الفرنسي متطلب ..
و من جهة أخرى نجد أوضاع القطاع الاقتصادي في فرنسا خطيرة ، فالقطاع الصحي مثلاً ، متدهور كلياً ، و ليس هناك ما يكفي من أطباء في القرى الصغيرة ، و أقسام الطوارئ في المستشفيات خارج المدن و حتى في العاصمة تعاني نقصاً في العاملين فيها لأنها تابعة للدولة .. فإن صعوبات ماكرون الداخلية قد تؤثر على عمله الديبلوماسي الدولي ، خصوصاً إذا تفاقم التعطيل بالإضرابات على نمط ما حدث أيام تظاهرات السترات الصفر و هو ما يهددون به يوم 10 سبتمبر القادم .

خالد درة بالعقل أقول...( ماكرون بين سندان المعارضة ﻭ مطرقة الإقتصاد... ! ) الجارديان المصرية