شبراوى خاطر يكتب : عن البؤس والسعادة قال ”أوشو”


يُعدّ "أوشو" (١٩٣١-١٩٩٠) أحد أشهر المعلمين الروحيين الهنود وأكثرهم إثارةً للعواطف وللجدل في القرن العشرين. وبعد أكثر من عقد من وفاته عام ١٩٩٠، لا يزال تأثير تعاليمه يتزايد، ليصل إلى الباحثين من جميع الأعمار في جميع بلدان العالم تقريبًا.
كان أستاذا في الفلسفة، سافر إلى جميع أنحاء الهند خلال عقد الستينات كمتحدث عام. انتقاداته الصريحة للاشتراكية، المهاتما غاندي و الأديان المنظمة أثارت الجدل حوله. ودعا إلى موقف أكثر انفتاحا تجاه العلاقات الجنسية، مما أكسبه لقب «معلم الجنس» في الصحافة الهندية ولاحقا العالمية. حتى يقول عن نفسه انه بلاي بوي روحي
كما انه يطلق علي نفسه زوربا البوذا، حيث ان زوربا يمثل "المتعة" وبوذا يمثل "الوعي الروحي"، و كان هذا هو كل اجتهاده في حياته ان يصل الي ان يكون "زوربا البوذا" أي الجمع بين الجانبين الجانب الروحي والمادي في الأنسان لتحقيق السعاده فهو يرى أن الفصل بين الجانبين هو اساس المعاناه ،فهو يقول ان الوعي والحيوية كفايه و محبة وحيوية وإذا اجتمعا الحيويه والوعي في شخص واحد يكون هذا هو الشخص المقدس فعلا
تؤكد تعاليمه التي توفق بين الأديان على أهمية التأمل، الوعي، الحب، الاحتفال، الشجاعة، الإبداع والدعابة: الصفات التي كان ينظر إليها على أنها مقموعة ومكبوتة نتيجة الالتزام بالنظم العقائدية الثابتة، التقاليد الدينية الجامدة والتنشئة الاجتماعية الجافة.
يتحدث في كتابه "صيدلية للروح" عن السعادة، ولكي يعرّف السعادة، بدا له انه من الافضل ان يتحدث عن البؤس والبؤساء، لكي يشير إلى جانبها الآخر ليشير إلى السعادة والسعداء. ولأنه بضدها تعرّف الاشياء.
أو كما قال الشاعر الفيلسوف العربي "المتنبي":
والضـد يظهـر حسـنه الضـد
وبضدهـا تتمـيز الأشـياء …
فيقول لنا أن "البؤس يمنح الإنسان أشياءً كثيرة لا تستطيع السعادة منحها. وأنه في الواقع، السعادة تسلبنا أشياءً كثيرة. السعادة تسلبنا كل ما كنا عليه، السعادة تُدمرنا! لكن البؤس يُغذي غرورنا، وأن السعادة في جوهرها حالة من انعدام الأنانية!!.
ويرى أن هذه هي المشكلة، بل جوهر المشكلة. لهذا السبب يجد الناس صعوبة بالغة في السعادة. ولهذا السبب قرر ملايين الناس في العالم العيش في بؤس، فهذا يُعطيهم شعورًا مُتبلورًا للغاية؛ ففي السعادة يُصبح الإنسان مُشتتًا. وحتى الآن أجد منطقه مثير للارتباك.
لذا يواصل تعاليمه بأننا إذا فهمنا هذا، تتضح الأمور جليًا. البؤس يجعلك مميزًا، والسعادة ظاهرة كونية؛ لا شيء مميز فيها. الأشجار سعيدة، والحيوانات سعيدة، والطيور سعيدة. الوجود كله سعيد، إلا الإنسان. فبؤس الإنسان، يصبح مميزًا، خارقًا.
البؤس يجعلك قادرًا على جذب انتباه الناس. كلما كنت بائسًا، تجد من يهتم بك، ويتعاطف معك، ويحبك. يبدأ الجميع بالاعتناء بك. فمن يريد أن يؤذي شخصًا هو أصلاً بائسًا؟ ومن يغار منه؟ ومن يريد أن يكون عدائيًا تجاهه؟ فهذا يُعتبر عمل دنيئ جدًا.
يُعتنى بالشخص البائس ويُحب ويُرفق به، وهناك استثمار كبير في بؤسه. إذا لم تكن الزوجة بائسة، يميل الزوج إلى نسيانها ببساطة، إذا كانت بائسة، لا يستطيع الزوج إهمالها. إذا كان الزوج بائسًا، فإن جميع أفراد الأسرة، الزوجة والأبناء، يلتفون حوله، قلقاً عليه، وهذا يمنحه راحة كبيرة. راحة مشاعر الضحية والمسكنة، وعندئذ يشعر المرء بأنه ليس وحيدًا، بل لديه عائلة وأصدقاء.
عندما تكون مريضًا، مكتئبًا، في بؤس، يزورك أصدقاؤك، ليُعزّوك، ويُواسونك. عندما تكون سعيدًا، يغار منك نفس الأصدقاء. عندما تكون سعيدًا حقًا، ستجد أن العالم بأسره قد انقلب عليك.
لا أحد يُحب الشخص السعيد، لأنه يُؤذي غرور الآخرين. يبدأ الآخرون بالشعور: "إذن أنت سعيد ونحن ما زلنا نزحف في الظلام والبؤس والجحيم. كيف تجرؤ على السعادة بينما نحن جميعًا في هذا البؤس!".
وبالطبع، العالم مليء بالبؤس، ولا أحد يملك الشجاعة الكافية ليدع العالم كله يُعارضه؛ إنه أمرٌ خطيرٌ للغاية، مُحفوفٌ بالمخاطر، من الأفضل التشبث بالبؤس، فهو يُبقيك جزءًا من الحشد. سعيد ببؤسك، وأنت فرد بائس، فأنت جزء من حشد..
ثم يتساءل أانت سعيد؟ هل تعرف ما هي السعادة؟ هل لها علاقة بأي دين او عرق؟ (السعادة ببساطة هي سعادة). ينتقل المرء إلى عالم آخر. لم يعد جزءًا من العالم الذي خلقه العقل البشري؛ لم يعد جزءًا من الماضي، أو من التاريخ البشع. لم يعد جزءًا من الزمن إطلاقًا. عندما تكون سعيدًا حقًا، وفي نعيم، يختفي الزمن، ويختفي المكان.
وهنا يستشهد بقول "ألبرت أينشتاين" بأن العلماء في الماضي كانوا يعتقدون بوجود حقيقتين: المكان والزمان. لكنه قال إن هاتين الحقيقتين ليستا حقيقتين، بل وجهان لنفس الحقيقة الواحدة. ومن هنا صاغ كلمة "الزمكان"، كلمة واحدة. الزمن ليس إلا البعد الرابع للمكان.
ثم يقول: انظر فقط إلى بؤسك، وراقب، وستجد أسبابه. ثم انظر إلى تلك اللحظات التي تسمح فيها لنفسك بين الحين والآخر ببهجة الفرح، وانظر إلى الاختلافات.
هذه بعض الأمور؛ عندما تكون بائسًا، فأنت مُلتزم. يُحبك المجتمع، ويحترمك الناس، وتقع على عاتقك مسؤولية كبيرة، بل يمكنك أن تصبح قديسًا؛ ولذلك، جميع القديسون بائسون. البؤس مكتوبٌ بوضوح على وجوههم، وفي عيونهم. ولأنهم بائسون، فهم ضد كل فرح. يدينون كل فرح باعتباره لذة؛ ويدينون كل احتمال للفرح باعتباره خطيئة. إنهم بائسون، ويتمنون أن يروا العالم كله بائسًا. في الواقع، لا يمكن اعتبارهم قديسين إلا في عالم بائس، أما في عالم سعيد، فيحتاجون إلى دخول المستشفى وعلاج نفسي. لإنهم مرضى.
عليك أن تتخلى عن هذه الآلية برمتها. عليك أن تتعلم كيف تكون سعيدًا، وعليك أن تتعلم احترام السعداء، تذكّر. هذه خدمة جليلة للبشرية. لا تبالغ في التعاطف مع البؤساء. إذا كان أحدهم بائسًا، ساعده، لكن لا تتعاطف معه. لا تُوهمه أن البؤس أمرٌ يستحق العناء، بل دعه يعلم تمامًا أنك تساعده، ولكن "هذا ليس من باب الاحترام، بل لأنه بائس". وأنت لا تفعل شيئًا سوى محاولة إخراجه من بؤسه، لأن البؤس قبيح. دع الشخص يشعر أن البؤس قبيح، وأن البؤس ليس فضيلة، وأنك "لا تقدم خدمة جليلة للبشرية ببؤسك أيها البائس".
كن سعيدًا، واحترم السعادة، وساعد الناس على فهم أن السعادة هي غاية الحياة - وكلما رأيت شخصًا سعيدًا، احترمه، وكلما شعرت بتجمع سعيد واحتفالي، اعتبره مكانًا مقدسًا.