القس أسطفانوس زكي يكتب : الطفل الذي غيَّر التاريخ رسالة الميلاد للبشرية اليوم
لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزال قصة ميلاد السيد المسيح في مجرد حدثٍ دينيٍّ نستعيد ذكراه مرة كل عام، رغم أنه من أكثر المناسبات حضورًا في التاريخ والحضور الإنساني عبر العصور. فالميلاد ليس ذكرى، بل رسالة جامعة متجددة، تخاطب الإنسان في كل زمان ومكان.
فقد جاء الميلاد في زمنٍ بالغ القسوة؛ كانت الإمبراطورية الرومانية تهيمن على العالم بمنطق البطش والسيطرة، وغابت العدالة الاجتماعية، وعاش البسطاء مهمَّشين بلا حماية أو صوت. وفي قلب هذا الواقع المظلم، جاء الحدث الذي غيَّر مجرى التاريخ: طفل يولد في مذود، بعيدًا عن القصور ومراكز النفوذ، ليعلن منذ اللحظة الأولى أن طريق الخلاص لا يمر عبر السلطة، بل عبر الإنسان، وأن الكرامة لا تُستمد من القوة، بل من قيمتها في نظر الله.
وفي تأملنا قصة الميلاد، تلمع أمامنا مجموعة من الدروس الإنسانية العميقة التي لا تزال شديدة الصلة بعصرنا الحديث:
* الله قريب من الإنسان
يحمل الميلاد إعلانًا إنسانيًا بالغ العمق: الله لا يقف بعيدًا عن معاناة البشر، بل يقترب منها. لم يختر أن يظهر في صورة قوة قاهرة، بل في صورة طفل ضعيف، ليشارك الإنسان ضعفه وآلامه.
وفي هذا الاقتراب تتجلى رسالة الرجاء: أن الإنسان، مهما اشتدت ظروفه، ليس متروكًا ولا منسيًا، بل إن الله أقرب إلى الإنسان من قرب الإنسان إلى نفسه.
وفي عالم اليوم، حيث يشعر كثيرون بالعزلة والقلق وضغط الحياة، يعيد الميلاد التذكير بأن الله حاضر في الهامش، وفي الألم، وفي البيوت البسيطة، لا في القصور.
* كرامة الإنسان قبل كل اعتبار
يُرسّخ الميلاد مبدأً جوهريًا: كرامة الإنسان غير قابلة للمساومة. ففي زمن تُقاس فيه القيمة بالنجاح أو الامتلاك أو النفوذ، يضع الميلاد معيارًا مختلفًا: الإنسان محبوب لأنه إنسان. ولهذا لم يكن ميلاد المسيح في قصر، بل في مذود، ليؤكد أن الفقر لا يُقل من الكرامة، وأن الهشاشة ليست عيبًا، بل موضع عناية إلهية.
هذه الرسالة تحتاجها البشرية اليوم، في ظل اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتزايد التهميش والإقصاء. فلا عدالة حقيقية دون الاعتراف بقيمة كل إنسان، ولا سلام دائم دون احترام كرامته.
* شمولية الرسالة.
لم يكن اختيار الرعاة كأول شهود للميلاد أمرًا عارضًا؛ فقد كانوا من أبسط فئات المجتمع وأكثرها تهميشًا، ومع ذلك كانوا أول من سمع بشارة الفرح. رسالة واضحة بأن أبواب الله مفتوحة للبسطاء، وأن الرجاء لا يحتكره أصحاب النفوذ.
وفي المقابل، جاء المجوس من أقصى الأرض من بلاد الفرس من ثقافة مختلفة وخلفية فكرية مغايرة. لم يجمعهم بالمولود انتماء ديني أو قومي، بل شوق البحث عن الحق.
هكذا جمع الميلاد بين الرعاة والمجوس، بين القريب والبعيد، بين البسيط والمثقف، بين الفقراء والأغنياء، ليعلن أن رسالة السلام والمحبة التي جاء بها المسيح رسالة مفتوحة لكل البشر، وأن الاختلاف ليس عائقًا أمام اللقاء.
وفي عالم يعاني من الانقسام والاستقطاب، تظل هذه الصورة نموذجًا إنسانيًا بالغ الدلالة: لا خلاص دون محبة، ولا مستقبل دون احترام وقبول الآخر.
* السلام يبدأ من الداخل
يقدّم الميلاد مفهومًا مختلفًا للسلام. فالمسيح لم يدخل العالم بسيف، ولم يؤسس مملكة أرضية، بل جاء طفلًا في مذود، ليعلن أن السلام الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل يُولد من القلب.
سلام ينبع من العدل، ويتجسد في الرحمة، ويُترجم إلى احترام الإنسان.
وفي زمن تتكاثر فيه الحروب والنزاعات، يصبح هذا المعنى أكثر إلحاحًا؛ فالقوة قد تفرض صمتًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع سلامًا دائمًا، أما السلام القائم على العدالة والاعتراف المتبادل فهو وحده القادر على الصمود.
* الأسرة… النواة الأولى للمجتمع
في قلب قصة الميلاد تقف أسرة صغيرة: أم وأب وطفل، يواجهون الخوف والغربة والتهديد، لكنهم يصمدون بالمحبة والمسؤولية.
تحمل هذه الصورة رسالة اجتماعية عميقة لعالم يعاني من تفكك أسري وضغوط معيشية ونفسية: الأسرة ليست هامشية بل هى نواة المجتمع الاولى، وحمايتها هي حماية للمستقبل.
* مصر… بوابة للنجاة وملجأ للإنسان
حين هربت العائلة المقدسة من بطش السلطة، كانت مصر ملاذها الآمن. لم يكن ذلك مجرد حدثٍ تاريخي، بل تعبيرًا عن دورٍ إنسانيٍّ وحضاريٍّ لعبته مصر عبر التاريخ: أرضٌ تستقبل ولا تُقصي، وتحمي ولا تميّز، وتمنح فرصة جديدة للحياة.
لقد كانت مصر دائمًا مأوى للمنكسرين، وملاذًا للهاربين من القهر، وحاضنة للإنسان أيًّا كان أصله. ونصلي أن تظل مصر كذلك، حصنًا للأمان والسلام للجميع، وأن تكون في اهتمامها بأبنائها ورعايتهم وكرامتهم، كما هي في احتضانها لضيوفها، لأن قوة الوطن الحقيقية تبدأ من إنصاف أولاده، وحماية الإنسان الذي يعيش على أرضه.
* «المجد لله في الأعالي…»
ولا يكتمل التأمل في قصة الميلاد دون التوقف أمام ترنيمة الملائكة:
«المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة».
هذه الآية تختصر منظومة القيم كلها.
فعندما يُنسب المجد لله، لا للقوة ولا للمال، تُضبط بوصلة الحياة، ويتراجع الغرور، وتُراجَع القرارات على ضوء القيم لا المصالح.
إنها معادلة واضحة للفيم
:مجد الله أولًا، يثمر سلامًا حقيقيًا بين الناس ، ويمنح الإنسان فرحًا.
لم يكن ميلاد المسيح نهاية قصة، بل بدايتها. طفل صغير غيَّر وجه التاريخ، لأنه حمل محبة أعمق من العنف، وقيمًا أسمى من القوة.
واليوم، في عالمٍ مرتبك، تظل رسالة الميلاد دعوة مفتوحة لإعادة الاهتمام بكرامة الإنسان ، ولصناعة مجتمع قائم على الرحمة والعدل والسلام. والاهتمام لتكون الأسرة هى فى مركز الاهتمام
إله السلام،
علِّمنا أن نرى الإنسان قبل المصالح،
وأن نختار المحبة بدل العنف،
وأن يكون مجدك هو بوصلتنا،
حتى يعم السلام أرضنا،
وتفرح القلوب برجاء لا يخيب.
آمين.
# ق/ أسطفانوس زكي
.الامين العام للطائفة الانجيلية في مصر












المحكمة تغرم الشيخ صلاح التيجاني 20 ألف جنيه بتهمة نشر فيديوهات مسيئة
تفريغ محادثات 3 متهمين في واقعة سرقة أدوية التأمين الصحي بحلوان
النيابة الإدارية تواصل غدًا التحقيق في واقعة مصرع 7 مرضى بمركز علاج...
إصابة 22 شخصًا في انقلاب ميكروباص لنقل العمالة الزراعية بوادي النطرون
تراجع أسعار الذهب اليوم الخميس وعيار 21 يفقد 60 جنيهًا
أسعار الذهب في الصاغة اليوم الجمعة
سعر الدولار اليوم الخميس 11 ديسمبر 2025 مقابل الجنيه المصري
أسعار الدولار أمام الجنيه اليوم الأربعاء