الأربعاء 7 يناير 2026 10:54 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

خالد درة يكتب ﻣﻦ باريس : بالعقل أقول…( إختطاف رئيس .. أم إختطاف دولة .. أم قارة ..؟! )

الكاتب الكبير خالد درة
الكاتب الكبير خالد درة

هو مراوغ جشع لا يؤمن جانبه .. رغم ما يدفعونه له من أموال و يمكّنونه من قواعد عسكرية على أراضيهم ، هل حكام العرب في مأمن من غدر ترامب؟ ..

إنه دونالد ترامب شخصية لا تخفي طموحاتها و لا أجنداتها ، فقد يعلنها في تدوينة أو مكالمة أو تصريح أو أثناء مؤتمر صحفي ..

لقد حدد برنامجه الانتخابي – اليميني – و حدد فريق عمله و جاهر بلائحة خصومه و أعدائه ، ثم أعلنه النظام الديمقراطي الأمريكي رئيسا لولاية ثانية بأغلبية مريحة في الكونغرس … مع التذكير من الآن بالمعركة القانونية و الفقهية المقبلة لتحديد أحقية دونالد ترامب في ولاية ثانية على اعتبار أن بين الولايتين كانت ولاية الديمقراطي جون بايدن ..

فلم يكن شعار “ أمريكا أولا ” أو شعار “ لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى ” أو غيرهما من الشعارات التي رُفعت أثناء الحملات الانتخابية .. لم تكن هذه الشعارات لدغدغة مشاعر الناخب الأمريكي ؛ بل كانت خارطة طريق أمريكية لتحديد معالم النظام العالمي و تجديد نُخَبه و أدبياته ..

فقد وصفه خصومه بـ” المجنون ” بعد إعلانه الانسحاب فى بداية ولايته من العديد من المنظمات الحقوقية و الإنسانية و القضائية العالمية ، حيث اعتبرها تمتص جيوب الأمريكيين ؛ آخرها إلغاء برنامج “ الفود سناب ”، و قبلها وقف برنامج المساعدات الخارجية USAID ..

فمع إدارة ترامب 2 ، أصبح المحللون ينتظرون مؤتمراته الصحافية بالمكتب البيضاوي و تسجيل لحظات إحراج أو ضعف الضيف أمام مرأى ومسمع أكبر منصات الإعلام العالمية ..

و مقابل كل هذا ، رفع دونالد ترامب شعار السلام و إنهاء الحروب .. و ربما فعلها فعلا في أكثر من صراع من مناطق العالم الساخنة بإفريقيا و آسيا و أوروبا الشرقية ، حيث حددها في ثماني حروب و أعلن أنه يستحق نوبل للسلام في سنة 2025 ..

فهو يقود مفاوضات دقيقة في ملف الحرب في أوكرانيا ، و إنهاؤها سيكون إعلانا لبداية فعلية للنظام العالمي الجديد ..

و كعادته ، خرج ، بمناسبة إعلان الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي في دجنبر 2025 ، مصرحا باعتناقه “ عقيدة مونرو ” نسبة للرئيس الأمريكي جيمس مونرو سنة 1823 و التي حملت شعار “ أمريكا للأمريكيين ” وأمريكا بالنسبة لترامب تعني الأمريكيتين .. لذلك ، صعّد في ملف الديكتاتور الفنزويلي مادرور .. و بعد حصاره في البحر و الجو ، جاء خبر إعتقاله أو إختطافه و زوجته من غرفة نومه و حمله إلى الولايات المتحدة الأمريكية و تسليمه إلى فرق مكافحة المخدرات DEA ..

و عندما نذكر “ حادث مادورو ” فإننا نستحضر بشكل تلقائي أيضاً ملف كوبا و فيديل كاسترو و حادث صواريخ خليج الخنازير لسنة 1962 و الأزمة النووية مع الاتحاد السوفياتي و الهاتف الأحمر .. و في الوقت نفسه نستحضر أن كل من كوبا و فنزويلا شكلتا جزءا مهماً من الحديقة الخلفية للولايات المتحدة .. لكن هناك متغيرات في معادلات الصراع بين سنتي 1962 و 2026، و هناك أدوات تأثير جديدة و فعالة و تَطَور هائل في تكنولوجيا الاتصال و التواصل و الرقمنة وتطور كبير في إدارة الصراعات ..

لذلك ، لاحظنا تغييراً نوعياً في معالجة ملف مادورو ، بعد القبض عليه و تسليمه إلى و كالة مكافحة المخدرات DEA في انتظار تحديد مصيره ..!

فحادث الاعتقال أخذ حيزاً كبيراً في التحليلات بين الشرعية الدولية و السيادة الوطنية من جهة ، و بين حق ترامب في حماية أمنه القومي و حدود بلاده من المهاجرين و عصابات الاتجار في المخدرات و مساعدات مادورو للمنظمات الإرهابية الدولية المعروفة و تهديده للسلم الدولي ..

إن عملية إعادة ترتيب ترامب للحديقة الخلفية ( أي فنزويلا و ما يأتى بعدها ) يمكننا وضعها في خانة “ عقيدة مونرو ”.. و أنه لا يحق لمادورو تسهيل الطريق أمام خصومه التجاريين و السياسيين للاقتراب من الحدود الأمريكية عبر إبرام شراكات اقتصادية و توقيع عقود تمويل الطاقة لدول كالصين مثلا لإخلالها بمعادلات التنافسية ..

فاستراتيجية الأمن القومي تعني تنظيف الجوار الأمريكي من كل منافسيه ، و تطبيق “ عقيدة مونرو ” يعني عدم السماح لغير أمريكا كقوة عسكرية و اقتصادية كبيرة في الوجود في الأمريكيتين و التى يسعى لإحتلال دولها و القيام بإدارتها بنفسه .. و يزداد الأمر تعقيداً بالنسبة لمادرور من خلال تحالفه مع روسيا و الصين و إيران و انخراطه في “ مجموعة البريكس ”، إذ يعني خلق جار غير مرغوب فيه و جار مزعج يهدد الأمن القومي الأمريكي على مستوى محاربة المخدرات أو الهجرة و على مستوى الاقتصاد و الطاقة و المعادن النادرة ..

لذلك ، يمكننا اعتبار إلقاء القبض على مادورو و زوجته من غرفة نومه بالعاصمة كاركاس بشكل مهين يوم الثالث من يناير من سنة 2026 هو “ ضربة معلم ”، إذ امتدت التهديدات بالمصير نفسه لمادرور إلى كل دول أمريكا اللاتينية و جزر الكرايبي ؛ و في مقدمتهم رئيس كولومبيا ، و المكسيك ، ترامب يهدد ثلاثة دول جديدة بمصير رئيس فنزويلا مادورو
هى كولومبيا حيث يحكمها رجل يحب صنع الكوكايين و يبدو أننا بصدد عملية عسكرية ضدها قريباً ، و النظام الكوبي ليس جيداً و كوبا علي وشك الإنهيار و السقوط أيضاً .. و قال من الضروري إتخاذ إجراءات جادة تجاه المكسيك لضمان تحسين أوضاعها ..

كما سيسهل من جهة سيطرة شركات البترول الأمريكية على التحكم في أكبر احتياطي عالمي للبترول بحوالي 303 مليارات برميل ، و سيضعف من جهة أخرى مركز الشركات الأخرى سواء الصينية أو الهندية أو الروسية أو غيرها ..

و الجانب القوي الآخر من نهاية سيطرة مادورو على السلطة في فنزويلا هو حماية “ الدولار الأمريكي “، و كل ما يعنيه ذلك من حماية الأمن القومي و القدرة الشرائية الأمريكية و النظام المالي و البنكي و البورصات في العالم .. إذ عمل “نظام مادورو” و غيره في مجموعة البريكس على التشجيع بالأداء بغير الدولار الأمريكي فيما يخص عقود البترول أو تحديد سعر بورصة البترول و الغاز ..

و هذا سيسمح بظهور نظام أداء موازٍ و عملات صعبة جديدة تنافس الدولار الأمريكي ، كاليوان الصيني أو الروبل الروسي ؛ و هو ما يعني تهديداً جديدا لمنظمات البترول و الطاقة كالأوبيك و الأوابيك ..

نقول “ضربة معلم” لأنه قلب موازين و معادلات عديدة على مستوى “لعبة الأمم”، بعيدا عن الانخراط في سجالات قانونية و فقهية و إعلامية تعلوها حتما حماية المصالح الاستراتيجية و الأمن القومي ..

من جهة أخرى ، فإن سيناريو إخراج مادورو غير المأسوف عليه من “ النافذة ” و بملابس النوم الداخلية سيشكل بلا شك زلزالا قويا داخل الجارة الجزائر و المرتزقة “ البوليساريو ”، إذ سيفقدون دعما ماليا بمليارات الدولارات و أحد أوكار التآمر السياسي ضد الوحدة الترابية و الوطنية .

خالد درة باريس بالعقل أقول…( إختطاف رئيس .. أم إختطاف دولة .. أم قارة ..؟! ) الجارديان المصرية