الجمعة 16 يناير 2026 10:24 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. هاني المصري يكتب : إيران تبني “إنترنت حديدي”… والعالم ينزلق إلى حرب رقمية بلا خطوط حمراء

د. هاني المصري
د. هاني المصري


لم يعد الصراع الدولي حبيس الجغرافيا أو موازين السلاح والاقتصاد، بل انتقل إلى ساحة أكثر خطورة وأقل ضجيجًا: الفضاء الرقمي. ففي تطور لافت، كشفت تقارير غربية حديثة، أبرزها ما نشرته صحيفة الغارديان، أن إيران تمضي بخطوات متسارعة نحو إنشاء ما يمكن وصفه بـ “إنترنت حديدي”، يفوق في صرامته وسيطرته حتى النموذج الصيني، ويمثل تحولًا جذريًا في شكل السيطرة على المعلومات وتدفقها.

هذا المشروع لا يقتصر على حجب مواقع أو تقييد منصات بعينها، بل يقوم على تفكيك مفهوم الإنترنت العالمي نفسه داخل الدولة، عبر بناء شبكة رقمية بديلة، محكومة بالكامل، ومنفصلة تدريجيًا عن الشبكة الدولية، بما يجعل الفضاء الرقمي امتدادًا مباشرًا لسلطة الدولة وسيادتها.

شبكة مغلقة بدلًا من عالم مفتوح

وفقًا للتقارير، تعمل إيران على إنشاء منظومة رقمية متكاملة تقوم على منصات محلية بدل العالمية، وتحكم شامل في البيانات، والبنية التحتية، ومسارات الاتصال، مع تقليص الوصول إلى الإنترنت العالمي ليصبح استثناءً خاضعًا للرقابة. وبهذا، يتحول المستخدم من مواطن رقمي عالمي إلى مستخدم داخل فقاعة معلوماتية مغلقة، تُصاغ فيها الرواية، وتُدار فيها المعرفة، وتُحدد فيها حدود الوعي.

هذه الخطوة لا تعكس فقط مخاوف أمنية، بل تشير إلى عصر جديد من السيادة الرقمية الصلبة، حيث لم تعد الدولة تحرس حدودها بالسلاح وحده، بل بالخوادم، والكوابل البحرية، ونقاط تبادل البيانات.

الإنترنت كسلاح… لا كمساحة حرّة

ما تفعله إيران اليوم هو جزء من اتجاه عالمي متصاعد نحو تسليح الإنترنت. فالغرب من جانبه لا يقدم نموذجًا بريئًا، إذ يستخدم الهيمنة التكنولوجية، ومنصات التواصل، وأنظمة التشغيل، والعقوبات الرقمية، كأدوات ضغط سياسي واقتصادي، بينما يرد الشرق ببناء شبكات موازية مغلقة، تحمي القرار السيادي لكنها تدفع العالم نحو التفكك الرقمي.

وهنا لم يعد الصراع بين حرية وقمع فقط، بل بين نموذجين للسيطرة على الوعي:
نموذج يفرض قيمه عبر الهيمنة التقنية، ونموذج يغلق حدوده الرقمية خوفًا من الاختراق.

الانقسام الرقمي… خطر مباشر على الأمن القومي العربي

الأخطر في هذا المشهد أن المنطقة العربية تقف في قلب هذا الصراع، لا على هامشه. فالدول العربية ليست مجرد مستخدم للإنترنت، بل تقع جغرافيًا في مفترق طرق الكيبلات البحرية العالمية، وتتعرض مجتمعاتها لحروب معلومات، وحملات تضليل، واختراقات سيبرانية، تستهدف الاستقرار والوعي قبل أي شيء آخر.

الانقسام الرقمي العالمي يعني أن الدول التي لا تمتلك سيادة رقمية واضحة ستجد نفسها ساحة مفتوحة، تُبث فيها الروايات المتصارعة، وتُدار فيها العقول عن بُعد، دون امتلاك أدوات الحماية أو الرد.

مصر في قلب المعركة الرقمية

بالنسبة لمصر، لا يُعد هذا التحول مسألة نظرية أو بعيدة. فموقعها الاستراتيجي، وثقلها السياسي، ودورها الإقليمي، يجعلها هدفًا دائمًا في حروب الجيلين الرابع والخامس، حيث تُستخدم المنصات الرقمية كسلاح لإثارة الفوضى، وبث الشائعات، وضرب الثقة بين الدولة والمجتمع.

من هنا، يصبح الحديث عن الأمن القومي المصري حديثًا عن حماية البنية الرقمية، وتأمين البيانات، وبناء وعي مجتمعي قادر على التمييز، لا مجرد مسألة تقنية. فالدولة التي تفقد السيطرة على فضائها المعلوماتي، تفقد تدريجيًا قدرتها على توجيه مستقبلها.

العالم يتشظّى… والإنترنت أول الضحايا

ما نشهده اليوم هو بداية عصر ما بعد الإنترنت الواحد. عالم من المعسكرات الرقمية، لكل معسكر شبكته، وقوانينه، وروايته، وأدواته. وفي هذا العالم، لن يكون السؤال: من يملك الأرض؟ بل:
من يملك البيانات؟ من يملك المنصة؟ ومن يكتب القصة؟

وإذا كان القرن العشرون قرن الصراع على النفط والسلاح، فإن القرن الحادي والعشرين هو قرن الصراع على العقول والاتصال والسيطرة الرقمية. ومن لا يدرك ذلك مبكرًا، سيدفع الثمن متأخرًا.

د. هانى المصرى إيران تبني “إنترنت حديدي”… والعالم ينزلق إلى حرب رقمية بلا خطوط حمراء الجارديان المصرية