عصام بيومي يكتب: ”تأليه التاريخ” و ”تاريخانية” مفكري آخر الزمان!
ذكرت سابقاً أن الحرب على الأديان هي أم الحروب جميعا، وأنها حرب أبدية لن تنتهي إلا بنهاية الحياة على الأرض. ومن أوجه تلك الحرب ما يسمى "التاريخانية" التي ضرب بها فلاسفة وأحبار الغرب كتبهم السماوية التي حرفوها قديما بأيديهم، وجعلوها بالفعل كتبا لتاريخهم الخاص وليس كتبا مقدسة. لقد زعموا أن للتاريخ ذاكرة وحشوها بما أرادوا كجزء من تحريفهم لكتبهم. ولو تذكر التاريخ حقا لكذبهم في كل ما نسبوه إليه أو أغلبه. ولو نطق التاريخ بهم لهجاهم.
وإذا كان مفكرون حقيقيون أجمعت على نباهتهم الأمة حتى ما قبل عقود قليلة، قبل أن يتعرضوا لحملة تشويه ممنهج، قد قطعوا الطريق على فكرة التاريخانية فإن ظهورها وانتشارها بقوة في العقود الأخيرة، دليل قوي على إصرار أعداء الإنسانية على مواصلة تضليل البشر عموما والأمة الإسلامية خاصة. لقد أرادوا أن يلصقوا ضلالاتهم بالتاريخ لأنه ليس للتاريخ ذاكرة ولا أعين ولا آذان ولا لسان.. ومن خلال تحكمهم في كتابته يستطيعون أن يقولوا أي شيء ويزعموا أي شيء ويزوروا أي شيء.. فمع التاريخ لا عصمة لمقدس ولا قيمة لوحي ولا حاكم على المنطق إلا هم ومن يسوقونهم في الظلام .
فإذا قالوا، فهم الصادقون، وإذا كذبوا، فهم المبدعون. ومع التاريخانية يستطيعون أن ينسبوا أي شيء لأي شخص. ولا أحد يحاسبهم، فهم المنتصرون وهم من يكتبون التاريخ على مِزاجهم. ومع التاريخانية، ندخل في دوامة ما سموه نظريات المعرفة حيث تضيع المقاييس وتختل الموازين وتختلف النسب. فمن الذي يحدد القيم ومن الذي يحدد المنطق ومن الذي يميز الخير من الشر.
ومع التاريخانية ينتحر المنطق ويصبح أسيرا لمن يسمون فلاسفة والذين وثقت سابقا أن أغلبهم كانوا "ترزية قوانين ومباديء ونظريات". ومع التاريخانية يصبح قتل الأبرياء ونهب الثروات نشرا للديمقراطية ويصبح العهر والخلاعة والانفلات تحضرا وتقدما ومدنية، ويصبح الذل والانصياع بطولة ووطنية" ويصبح المجرمون أبطالا والأبطال إرهابيين. كما تصبح الأخلاق معيارا إنسانيا لا علاقة للخالق به بحسب أحدهم، وهو برتراند راسل، الذي تبجح بالقول بأن "الأخلاق ليست قوانين سماوية ثابتة بل أدوات بشرية يصوغها البشر بأنفسهم"، وذلك في كتابه "المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة"، 1954.
وكنت في مقال بعنوان "إنهم يريدون صناعة الإله"، 8-1-2025، قد بينت أن الفلسفة وفلاسفتها كان لهما الدور الأخطر في تسعير الحرب على الأديان تحت غطاء قاذورات فكرية سموها "التنوير"، وأنه "ساعدهم في نشرها، وللأسف، كثيرون ممن ينتمون للعروبة والإسلام بالاسم، من مفكري ومثقفي آخر الزمان، بعضهم بخبث ومكر، وبعضهم بجهالة لا تليق بهم، كونهم لم يفندوا ذلك الغثاء منذ بداية شيوعه في عالمنا الإسلامي قبل نحو مائة وخمسين عاما. كان ذلك في بدايات ما سُمي "عصر التحديث" الذي استخدم كحصان طروادة لهدم الخلافة الإسلامية.
ونبقى مع ما يسمى "التاريخانية"، وانطلاقا من قُبح هذا المسمى وهو الترجمة العقيمة لكلمة historicism الإنجليزية، ويقصد بها "تحكيم التاريخ" وجعله المرجع الأعلى للحكم على الأمور، واضعين إياه موضع الإله! أقول إن تلك التاريخانية هي امتداد لمحاولات مستميتة ومتواصلة لتشويه الدين بدأت كما أشرت سابقا، وفي كتابي "عصور الظلام في الإسلام"، مع نجاح أعداء الإنسانية في ابتداع ما سُمي الفلسفة الإسلامية والإسلام منها براء.
ويمكن القول إن "التاريخانية" تلك فشلت على عدة مستويات، منها أنها مشروع غير مكتمل، وقامت على افتراض خاطئ من الأصل. فقد انطلقت من افتراض لا يقبله العقل السليم وهي أن "الحقيقة لا تُنال إلا عبر أدوات بشرية تاريخية محضة، وأن كل ما يتجاوز الزمن والسياق ليس إلا وهمًا ميتافيزيقيًا". بهذا المعنى، كانت التاريخانية محكومة بالفشل قبل أن تبدأ، لأنها جعلت من التاريخ إلهًا معرفيًا، ومن العقل موظفًا، ومن الحقيقة وظيفة إجرائية لا غاية وجودية. وما ذلك إلا لأنها قامت كما شرحت سابقا على الافتراض الفلسفي المقيت الذي يتجاهل الوحي بالكلية ويعيد اختراع الفكر من أساسه.
وكان في فكر الكثير من أئمة الإسلام تفنيد كاف لمحاولات الفلسفة والفلاسفة تشويه الدين. كان ذلك بداية من الشافعي، مرورا بالغزالي ثم الشهرستاني وابن تيمية وابن القيم، وغيرهم. وكان أبو حامد الغزالي، الذي قيل إنه لم يسلم من فتنة الفلسلفة برغم تفنيده لها، من أوائل الذين ردوا باستفاضة على المتفلسفين بكل أنواعهم ومن ذلك أدعياء "التاريخانية"، حتى قبل أن تأخذ ذلك الاسم. لم يكن ذلك فقط في كتابه "المنقذ من الضلال"، بل أيضًا في "تهافت الفلاسفة"، الذي لا يُفهم بوصفه ردًا على الفلاسفة بقدر ما هو نقد جذري للادّعاء بأن للعقل قدرة الاكتفاء الذاتي وهي فكرة أساس في الفلسفة بصفة عامة، وفي "فرية" التاريخانية.
تلك التاريخانية وإن كانت أفلحت في هدم الإيمان بالأديان الأخرى لدى أغلبية كبيرة من أتباعها فإنها لا تصمد أمام الإسلام والقرآن الكريم، لأن القرآن معصوم منزه كامل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا يخضع لزمان ولا مكان. ولا يزال فكر الغزالي، من خلال منهجه الذي يوصف بأنه منهج "الشك المنضبط" ، يكتسب راهنية مبررة وكبيرة، في الرد على الذين اعتنقوا "التاريخانية" حديثا من أمثال محمد أركون وعابد الجابري وجورج طرابيشي، ونصر حامد أبو زيد، الذين أبطلت النصوص القديمة منتجاتهم الفكرية مُسبقا، كما تعرضت آراؤهم لنقد شديد حديثا. وستكون لنا مع كلٍ وقفة. وللحديث صلة.












اليوم... أولى جلسات محاكمة قاتل عروس المنوفية بعد 4 أشهر من الزواج
حبس والدة الإعلامية شيماء جمال احتياطيًا بتهمة التهديد والبلطجة
اليوم.. محاكمة 43 متهما بخلية الهيكل الإداري
القبض علي المتهمين في واقعة فيديو إجبار سيدتين على استقلال السيارة بالجيزة
أسعار الذهب في السوق المحلية اليوم.. وعيار 21 يسجل 6160 جنيها
أسعار الذهب بالأسواق بعد تسجيل مستويات غير مسبوقة.. عيار 21 يعود للانخفاض
تراجع أسعار الذهب اليوم الخميس وعيار 21 يفقد 60 جنيهًا
أسعار الذهب في الصاغة اليوم الجمعة