مدحت الشيخ يكتب : الصحافة والإعلام.. المهن المستباحة
لم تعد الصحافة والإعلام كما عرفناهما يومًا، مهنة قائمة على البحث عن الحقيقة وصياغتها بلغة مسؤولة توازن بين المهنية والوعي العام، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة مفتوحة لكل من امتلك هاتفًا ذكيًا أو حسابًا على منصة رقمية. وبين سرعة النشر وسباق المشاهدات، أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ما زالت الصحافة مهنة لها قواعد، أم أنها باتت مجالًا مستباحًا بلا ضوابط؟
لقد كان الانتماء إلى الصحافة يومًا شرفًا مهنيًا ومسؤولية أخلاقية، حيث يتطلب الأمر سنوات من التدريب والخبرة والالتزام بمواثيق واضحة تحكم العلاقة بين الصحفي والجمهور. أما اليوم، فقد أفرزت وسائل التواصل الاجتماعي واقعًا جديدًا، ألغى الحواجز التقليدية بين صانع المحتوى والصحفي، وبين الخبر والرأي، وبين الحقيقة والشائعة. وهنا تكمن خطورة المشهد، إذ لم يعد المتلقي قادرًا دائمًا على التمييز بين المعلومة الموثقة والانطباع الشخصي المغلف بعبارات جذابة.
التحدي الأكبر لا يتمثل فقط في المنافسة مع الإعلام الجديد، بل في التحول داخل المؤسسات الإعلامية ذاتها. فقد دفعت ضغوط السوق والبحث عن الانتشار السريع بعض المنصات إلى التضحية بالتحقق والتدقيق لصالح السبق اللحظي، وهو ما أسهم في تآكل الثقة بين الجمهور ووسائل الإعلام. وعندما تتراجع الثقة، يصبح الإعلام بلا تأثير حقيقي مهما ارتفعت نسب المشاهدة.
ولا يمكن تجاهل ظاهرة خطيرة باتت تضرب المهنة في صميمها، وهي انتشار منتحلي صفة الصحفي والإعلامي، ممن اشتروا لأنفسهم مساحات هواء في بعض القنوات الفضائية أو صنعوا منصات وهمية تمنحهم مظهرًا مهنيًا زائفًا. هؤلاء لا يحملون رسالة إعلامية بقدر ما يحملون أجندات شخصية، يتسكعون أمام مباني المحافظات ومكاتب المسؤولين، يلوّحون بكاميرات أو صفحات إلكترونية باعتبارها أدوات ضغط لا أدوات توعية. يتحول الخبر لديهم إلى وسيلة ابتزاز، والنشر إلى تجارة مصالح، مرة تحت ستار “كشف الفساد” ومرة بدعوى “خدمة المواطنين”، بينما الهدف الحقيقي قد يكون تصفية حسابات أو تحقيق مكاسب شخصية ضيقة.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تسيء فقط إلى الأفراد المستهدفين، بل تهدم صورة الصحافة ذاتها، وتخلط في ذهن الجمهور بين الصحفي الحقيقي الذي يعمل وفق معايير مهنية واضحة، وبين الدخيل الذي يتعامل مع المهنة كوسيلة للنفوذ أو الشهرة السريعة. ومع تزايد هذه الممارسات، تصبح الحاجة ملحة إلى موقف حازم يضع حدًا لهذا العبث، عبر تطبيق القانون بصرامة، وتشديد الرقابة المهنية، وتوعية الجمهور بكيفية التمييز بين الإعلام المهني والمحتوى المضلل.
ولعل أخطر ما تواجهه المهنة هو استباحة أدوارها. فهناك من يتعامل مع الصحافة باعتبارها مجرد وسيلة للضغط أو الترويج أو تصفية الحسابات، بينما ينظر إليها البعض الآخر كمنصة لتحقيق الشهرة السريعة. وفي خضم هذا المشهد، يتراجع الصحفي المهني لصالح ضجيج المحتوى السريع، وتختلط المعايير حتى يصبح الصخب بديلاً عن الجودة.
لكن، ورغم كل ذلك، لا يمكن القول إن الصحافة انتهت. فالصحافة الحقيقية لا تموت لأنها مرتبطة بحاجة إنسانية أصيلة لمعرفة ما يحدث بصدق وعمق. غير أن بقاءها مرهون بقدرتها على إعادة تعريف دورها في العصر الرقمي، عبر الاستثمار في التحقيقات المتعمقة، والتحليل الرصين، وبناء جسور جديدة من الثقة مع الجمهور.
إن الدفاع عن الصحافة ليس دفاعًا عن مهنة فقط، بل عن حق المجتمع في المعرفة. فالإعلام الذي يفقد معاييره يفقد رسالته، والمجتمع الذي يفقد إعلامًا مهنيًا يفقد أحد أهم أدواته لفهم ذاته والعالم من حوله.
ربما تبدو المهنة اليوم مستباحة، لكنها لم تفقد قيمتها. بل على العكس، كلما زادت الفوضى، ازدادت الحاجة إلى الصحافة الحقيقية، تلك التي تكتب بضمير حي، وتبحث عن الحقيقة لا عن الضجيج، وتدرك أن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون مجرد وسيلة للانتشار.












القبض على المتهم بحرق بسيارة شقيقه لخلاف مالى
اندلاع حريق في سيارة جديدة على الطريق الحر قبل مدخل بنها
الأمن يكشف ملابسات سرقة سيارة بالإكراه في الإسماعيلية
تفاصيل مصرع سيدة ونجلها بعد سقوطهما من شرفة مسكنهما بالإسكندرية
ارتفاع أسعار الذهب في مصر اليوم.. عيار 21 يسجل 7200 جنيه الجمعة...
الدولار ينخفض 5 قروش أمام الجنيه داخل البنك الأهلي المصري بالتعاملات الصباحية
أسعار الذهب في مصر في بداية تعاملات اليوم الأحد 25 يناير 2026
أسعار الذهب اليوم الجمعة فى محلات الصاغة