الثلاثاء 17 فبراير 2026 01:02 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

مدحت الشيخ يكتب : ”الدراما وخطورتها على المجتمع”

الكاتب الكبير مدحت الشيخ
الكاتب الكبير مدحت الشيخ

لم تعد الدراما اليوم مجرد عمل فني يُعرض على الشاشات بهدف الترفيه أو ملء أوقات الفراغ، بل أصبحت قوة ناعمة مؤثرة، قادرة على إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وصياغة مفاهيم جديدة لدى الأجيال، بل وربما تغيير أنماط السلوك داخل الشارع نفسه. فالدراما التي كانت يومًا ما مدرسة للقيم والوعي والذوق العام، باتت في بعض نماذجها الحالية تقدم صورة مغايرة، تثير القلق وتستدعي الوقوف أمامها بقدر كبير من المسؤولية والمراجعة.
المشكلة ليست في الواقعية، لأن الفن الحقيقي يجب أن يلامس الواقع ويعكس قضاياه، لكن الفرق كبير بين عرض الواقع بهدف الإصلاح، وبين تضخيم الجانب السلبي وتحويله إلى بطل درامي. هنا تكمن الأزمة، حين تتحول الإهانات إلى لغة حوار أساسية، وتُقدَّم البلطجة كوسيلة للهيبة، ويُعاد إنتاج مشاهد المخدرات وكأنها جزء طبيعي من الحياة اليومية، بينما تتسلل إلى النصوص لغة ما أنزل الله بها من سلطان، تُرددها الشخصيات حتى تصبح مألوفة على ألسنة الشباب والأطفال.
لقد تحدثنا مرارًا عن هذه الظاهرة، لأن ما يُعرض اليوم لا يتوقف تأثيره عند الشاشة، بل يمتد إلى الشارع المصري نفسه. فالمشاهد لا يكتفي بالمشاهدة، بل يقلد ويتأثر ويعيد إنتاج ما يراه، خاصة عندما تُقدم الشخصيات السلبية في إطار جذاب أو بطولي، دون إظهار كافٍ لعواقب أفعالها. وهنا تتحول الدراما من مرآة تعكس المجتمع إلى أداة قد تعيد تشكيله بصورة مشوهة.
الخطر الحقيقي يكمن في التراكم، لأن مشهدًا واحدًا قد يمر مرور الكرام، لكن عشرات الأعمال التي تقدم نفس النمط تخلق واقعًا جديدًا في الوعي العام. ومع مرور الوقت، تتغير لغة الحوار في الشارع، وتتبدل معايير القوة والنجاح لدى بعض الشباب، ويصبح العنف اللفظي أو السلوكي أمرًا عاديًا، بل مقبولًا.
الأجيال الجديدة هي الأكثر عرضة للتأثر، لأنها تتعامل مع الشاشة باعتبارها مرجعًا ثقافيًا وسلوكيًا، خاصة في ظل غياب بدائل فنية قوية تقدم نماذج إيجابية جذابة. فالشاب الذي يرى النجاح مرتبطًا بالتحايل أو القوة الغاشمة أو العلاقات المشبوهة، قد يبدأ في إعادة تعريف مفهوم النجاح نفسه، وهذا هو أخطر ما يمكن أن تفعله الدراما عندما تفقد توازنها.
ولا يمكن تجاهل أن بعض صناع الدراما يبررون هذا الاتجاه تحت شعار "الجمهور يريد ذلك"، بينما الحقيقة أن الجمهور يتفاعل مع ما يُقدم له، وأن صناعة الوعي مسؤولية مشتركة بين الكاتب والمنتج والمخرج. الفن ليس مجرد تجارة، بل رسالة، والدراما المصرية تحديدًا لها تاريخ طويل في صناعة الوعي، من أعمال حفرت في وجدان الناس لأنها احترمت عقل المشاهد وقدمت قضايا المجتمع بعمق دون ابتذال.
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تراجع هذا الدور؟ هل هو سباق المنصات نحو المشاهدات السريعة؟ أم رغبة في إثارة الجدل بأي ثمن؟ أم غياب الرؤية الثقافية التي كانت تحكم صناعة الفن؟ ربما هي كل هذه العوامل مجتمعة، لكن النتيجة واحدة: تراجع مستوى الخطاب الدرامي في بعض الأعمال، مقابل تصاعد خطاب يعتمد على الصدمة بدلًا من القيمة.
الحل لا يكمن في المنع أو الوصاية، بل في إعادة تعريف المسؤولية الفنية. نحتاج إلى دراما تعكس الواقع دون أن تبرر انحرافاته، وتناقش الظواهر السلبية دون أن تروّج لها، وتقدم نماذج إنسانية قادرة على الإلهام لا مجرد إثارة مؤقتة.
الدراما المصرية قادرة على استعادة دورها التنويري إذا توفرت الإرادة، لأن المجتمع المصري بطبيعته يملك رصيدًا ثقافيًا وإنسانيًا عميقًا، يحتاج فقط إلى من يقدمه بصدق وإبداع. فالفن الذي يرفع الوعي لا يقل نجاحًا عن الفن الذي يثير الجدل، بل هو الأقدر على البقاء.
وفي النهاية، تبقى القضية أبعد من مجرد نقد لأعمال بعينها، إنها معركة على شكل الوعي الذي نريده لأبنائنا، وعلى صورة الشارع الذي نحلم به. فإما أن تكون الدراما جسراً نحو الارتقاء، أو تتحول – دون قصد ربما – إلى أداة تعمق الفجوة بين القيم التي نتحدث عنها، والواقع الذي نعيشه.

مدحت الشيخ ”الدراما وخطورتها على المجتمع” الجارديان المصرية