الجمعة 20 مارس 2026 03:50 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

إيهاب محمد زايد يكتب : أزمة الأسمدة العالمية.. عندما تتحول الحروب إلى مجاعة تطرق أبواب الملايين

الكاتب الكبير إيهاب محمد زايد
الكاتب الكبير إيهاب محمد زايد


سيادة الغذاء في مهب الريح: الأسمدة كأداة ضغط في صراعات القرن الحادي والعشرين، خبز الملايين في قبضة المدافع: كيف تهدد أزمة الأسمدة أمننا الغذائي؟
عندما تغيب السنابل في ضجيج المدافع
لا تقاس مرارة الحروب اليوم بعدد القذائف المنطلقة بل بعدد البطون الخاوية التي تتركها وراءها وفي عالم متشابك المصالح لم يعد سلاح الجوع مجرد نتيجة ثانوية للنزاعات بل أصبح أداة استراتيجية لكسر إرادة الشعوب. إن انقطاع شريان واحد في سلاسل إمداد الغذاء العالمية كفيل بأن يوقظ وحش المجاعة في قارات بعيدة ويحول الريف الصامد إلى ساحة للفقر الاجتماعي حيث يصبح الفلاح حارس الأرض هو الضحية الأولى لخلل التجارة الدولية وتهاوي الأسواق الداخلية. وتتجلى مأساة العصر الحديث في أن رغيف الخبز بات رهينة لقرار سياسي يتخذ خلف البحار أو صراع عسكري يغلق مضيقاً حيوياً مما يفرض علينا إعادة تعريف الأمن الغذائي بوصفه سيادة وطنية وقدرة على الحركة في فضاء عالمي باتت فيه لقمة العيش هي الجبهة الأكثر دموية.

معركة الخبز والجبهة الأكثر دموية في حروب اليوم
في زمن تتصارع فيه القوى العظمى على النفوذ والطاقة والممرات البحرية تدور معركة أخرى بصمت لكنها قد تكون الأكثر تأثيراً على حياة مليارات البشر وهي معركة الخبز التي تستخدم فيها الأسمدة كأداة فتك لا تقل أثراً عن الصواريخ. فمنذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في فبراير ٢٠٢٦م ارتدت صدماتها لترتطم بمزارع العالم من البرازيل إلى اليابان. إن المشهد يبدو قاتماً حين يقف المزارع حائراً أمام حقل الذرة أو القمح لأن السماد الذي يحتاجه لم يصل بفعل غلق الممرات المائية أو قرارات سياسية مفاجئة من دول كبرى مثل الصين التي أوقفت التصدير لحماية أمنها الغذائي الخاص مما يؤكد أن حروب الجيل الجديد لا تقتل بالرصاص وحده بل بسلب الأرض قدرتها على العطاء.
معركة الخبز.. الجبهة الأكثر دموية في حروب اليوم
في زمن تتصارع فيه القوى العظمى على النفوذ والطاقة والممرات البحرية، هناك معركة أخرى تدور بصمت لكنها قد تكون الأكثر تأثيراً على حياة مليارات البشر. إنها معركة الخبز، معركة لا تستخدم فيها الصواريخ والطائرات المسيرة فقط، بل تستخدم فيها أدوات أكثر فتكاً في عصر العولمة: الأسمدة. فمنذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير 2026، لم تتردد صدماتها فقط في قاعات السياسة الدولية، بل ارتطمت مباشرة بحقول القمح في البرازيل والهند، وبساتين الفاكهة في اليابان، ومزارع الأرز في بنغلاديش . تخيل مشهداً: مزارع في البرازيل، أكبر منتج للغذاء في العالم، يقف حائراً أمام حقل الذرة الذي يعول عليه في قوت عائلته، السماد الذي يحتاجه لم يصل، والسفن المحملة بالأسمدة عالقة في مياه الخليج العربي تنتظر عبور مضيق هرمز الذي أغلقته رحى الحرب. آلاف الكيلومترات بعيداً، في حقول اليابان، ينتظر مزارع آخر شحنة من فوسفات الأمونيوم القادمة من الصين، لكن الصين في قرار مفاجئ أوقفت تصدير الأسمدة لحماية أمنها الغذائي . اليابان، التي تستورد نحو 75% من احتياجاتها من فوسفات الأمونيوم و25% من اليوريا من الصين، تواجه خطر انقطاع شريان الحياة الزراعي. هذه ليست مجرد قصة نقص في سلعة، بل هي قصة كيف يمكن لحرب في بقعة صغيرة من العالم أن تحول حقولاً خصبة في قارات بعيدة إلى أراضٍ بور، وكيف يمكن لقرار سياسي في بكين أن يغير موازين الغذاء في طوكيو، هذه هي حروب الجيل الجديد التي لا تقتل بالرصاص بل بالجوع.

مضيق هرمز.. ليس فقط ممراً للنفط، بل شرياناً للغذاء العالمي
عندما نتحدث عن مضيق هرمز، تتبادر إلى الأذهان صور ناقلات النفط العملاقة، لكن الحقيقة أن هذا الممر المائي الضيق يحمل أكثر من مجرد الطاقة، فهو شريان حياة للغذاء العالمي بامتياز. فالمضيق يمر عبره نحو ثلث التجارة البحرية العالمية للأسمدة، بالإضافة إلى خمس إنتاج العالم من الغاز الطبيعي المسيل الذي يدخل في صناعة الأسمدة النيتروجينية . لقد توقفت حركة الملاحة في المضيق منذ اندلاع الحرب، وتحولت مياهه إلى سجن عائم لأكثر من 100 سفينة تحمل نحو مليون طن من الأسمدة، عالقة لا تستطيع الوصول إلى مزارع العالم . هذه الكارثة اللوجستية تأتي في توقيت قاتل، فالعالم على أعتاب موسم الزراعة الربيعي في نصف الكرة الشمالي، وهو الموسم الذي لا يحتمل التأخير، فالأسمدة التي تصل بعد فوات الأوان لا تصل أبداً، وما لا يزرع اليوم لن يحصد غداً. لكن التعقيد أكبر من مجرد تعطل حركة السفن، فالخليج العربي ليس مجرد ممر، بل هو أيضاً مصنع رئيسي للأسمدة. دول الخليج الخمس (إيران، قطر، السعودية، الإمارات، البحرين) تشكل معاً 23% من تجارة الأمونيا العالمية و34% من تجارة اليوريا العالمية . المنطقة الأوسع (الشرق الأوسط) تنتج ما يقرب من 30% من صادرات العالم من الأسمدة الرئيسية (النيتروجين والفوسفات والبوتاس)، وتشكل ما يقرب من نصف تجارة اليوريا العالمية . وعندما تتوقف هذه المصانع عن العمل بسبب نقص الطاقة أو الهجمات المباشرة، فإن الفجوة التي تخلقها لا يمكن سدها بسهولة.

الأرقام الصادمة.. كيف ارتفعت أسعار الغذاء في أسابيع
في غضون أسابيع قليلة من اندلاع الحرب، بدأت الأرقام ترسم صورة قاتمة. سعر اليوريا، أهم الأسمدة النيتروجينية، قفز من 487 دولاراً للطن قبل الحرب إلى 700 دولار، بزيادة تقارب 45% . في الولايات المتحدة، ارتفعت أسعار الأسمدة بنسبة تصل إلى 32% منذ بدء النزاع . محللون يتوقعون أن الأسعار قد تتضاعف إذا طال أمد الحرب . ولكن الأسمدة ليست الحلقة الوحيدة في سلسلة الغذاء المهددة، فأسعار النفط التي تأثرت أيضاً بإغلاق المضيق تجاوزت حاجز المائة دولار للبرميل . وهذا يعني أن تكاليف الزراعة بأكملها ترتفع: من تشغيل الجرارات في الحقول، إلى تبريد المخازن، إلى نقل المنتجات إلى الأسواق، حتى أغلفة الطعام البلاستيكية تتأثر فهي مشتقة من النفط . التأثير تراكمي، وكل حلقة ترتفع تكلفتها تدفع السعر النهائي على مائدة المستهلك إلى الأعلى. تأثير ذلك بدأ يظهر بالفعل على أرض الواقع، ففي تركيا ارتفعت أسعار الخضروات بنسبة الثلث منذ بدء الحرب . هذه ليست مجرد أرقام اقتصادية جافة، بل هي انعكاس لمعاناة يومية يعيشها ملايين الأسر.

الصين توقف التصدير.. وتأثير الدومينو يصل إلى اليابان
في خضم هذه الأزمة العالمية، اتخذت الصين قراراً سيادياً بحماية أمنها الغذائي، فأوقفت تصدير الأسمدة . هذا القرار الذي يبدو منطقياً من منظور بكين أحدث صدمة في الأسواق التي تعتمد على الصين كمصدر رئيسي. اليابان هي واحدة من أكثر الدول تأثراً بهذا القرار، فهي تستورد نحو 75% من احتياجاتها من فوسفات الأمونيوم و25% من اليوريا من الصين. مع توقف الصادرات الصينية ونقص الإمدادات من الشرق الأوسط، تجد الزراعة اليابانية نفسها على حافة الهاوية. هذه القصة تتكرر في دول أخرى، فالهند التي تستورد أكثر من 40% من احتياجاتها من اليوريا والأسمدة الفوسفاتية من الشرق الأوسط تعاني من نقص حاد في الإمدادات . الهند، موطن ما يقرب من سدس سكان العالم، وافقت بالفعل على شراء 1.3 مليون طن من اليوريا، لكن من غير المؤكد ما إذا كانت ستصل في الوقت المحدد . بنغلاديش اضطرت لإغلاق أربعة من مصانع الأسمدة الخمسة لديها بسبب نقص الغاز الطبيعي . والبرازيل التي تعتمد بشكل شبه كامل على واردات اليوريا وتستورد نصف احتياجاتها تقريباً عبر مضيق هرمز تواجه أزمة حقيقية . في الولايات المتحدة، يشتكي المزارعون من أرفف المتاجر الفارغة، حيث أن البلاد تعاني من نقص في الأسمدة بنسبة 25% عن المعدل الطبيعي لهذا الوقت من العام .

ضربة للزراعة اليابانية.. عندما يهدد انقطاع المصدر الأمن الغذائي
الحالة اليابانية هي مثال صارخ على هشاشة سلاسل التوريد الغذائية في عصر العولمة. دولة متقدمة مثل اليابان تتمتع بتكنولوجيا زراعية متطورة تجد نفسها عاجزة عن تأمين أبسط مقومات الزراعة: السماد. اليابان ليست وحدها في هذه المعاناة، ولكن قصتها تعكس حجم المأساة التي يمكن أن تنتج عن انقطاع مصدر رئيسي واحد. إذا استمر انقطاع الإمدادات من الصين، ستتلقى الزراعة اليابانية ضربة قاضية، وقد يجد الشعب الياباني صعوبة في تلبية احتياجاته الأساسية. ما يحدث لليابان اليوم قد يحدث لأي دولة تعتمد على الاستيراد، بغض النظر عن تقدمها الاقتصادي، وهذا هو الدرس الأكبر الذي تقدمه هذه الأزمة: لا أمن غذائي حقيقياً دون استقلال استراتيجي في الإنتاج.

سلاسل الإمداد.. حركة تجارة الغذاء في عصر الهشاشة
ما تتعرض له سلاسل إمداد الأسمدة اليوم هو انعكاس لهشاشة النظام الغذائي العالمي بأكمله. فتجارة الغذاء العالمية، التي تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات، تعتمد على شبكة معقدة من الممرات المائية والبرية والجوية، وأي انقطاع فيها يتحول إلى أزمة غذاء. دول الخليج العربي المنتجة للأسمدة هي في نفس الوقت مستورد رئيسي للحبوب، خاصة القمح. السعودية، التي كانت منتجاً كبيراً للقمح، تحولت إلى مستورد رئيسي بعد قرارها وقف الزراعة المحلية للحفاظ على المياه. والإمارات، وقطر، والكويت، وعُمان، والبحرين، كلها تعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الحبوب لتلبية احتياجات سكانها. هذه الدول التي تقع في قلب منطقة الصراع، والتي تتأثر بشكل مباشر بانقطاع إمدادات الأسمدة، هي نفسها التي تعتمد على استيراد القمح من أوكرانيا وروسيا ورومانيا. هذا التداخل المأساوي يعني أن الحرب التي تهدد إنتاج الأسمدة في الشرق الأوسط هي نفسها التي تهدد وصول الحبوب إلى نفس المنطقة. العالم اليوم يعيش في "قرى عالمية" من حيث التجارة، لكن هذه القرى تحولت إلى ساحات معارك، وأصبحت حياة الملايين رهينة بقرارات سياسية تتخذ في عواصم بعيدة. مصر، التي كانت عبر تاريخها سلة غذاء العالم، تعاني اليوم من تداعيات هذه الأزمة مثل غيرها. فاستيراد القمح المصري الذي يصل إلى نحو 12 مليون طن سنوياً، يعتمد بشكل كبير على البحر الأسود ومضيق البوسفور، وهما منطقتان متأثرتان بالصراعات الدائرة. كما أن واردات الأسمدة لمصر تواجه نفس المصاعب التي تواجهها دول المنطقة، مما يهدد محصول القمح الاستراتيجي، وهو ما دفع الحكومة المصرية إلى الإعلان عن زيادة المساحات المزروعة وتطوير أصناف جديدة أكثر تحملاً للجفاف ونقص الأسمدة .

45 مليون شخص إضافي على شفا الجوع.. تحذير أممي مرعب
الأرقام التي بدأت تظهر من المنظمات الدولية ترسم صورة أكثر إظلاماً. الأمم المتحدة تحذر من أن استمرار الحرب حتى منتصف العام الجاري قد يدفع 45 مليون شخص إضافي إلى حافة المجاعة الحادة، ليصل العدد الإجمالي إلى مستوى قياسي غير مسبوق . هذه ليست مجرد أرقام، بل هي أناس حقيقيون في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية يواجهون خطر الموت جوعاً. العالم لم يشهد مثل هذه الأرقام منذ أزمات الغذاء الكبرى في التاريخ الحديث. وبرنامج الأغذية العالمي يحذر من أن زيادة أخرى في انعدام الأمن الغذائي قد تعني كارثة لبعض البلدان الأكثر ضعفاً في العالم، التي هي بالفعل على شفا المجاعة . الأكثر ضعفاً سيدفع الثمن الأكبر، فكما يقول الرئيس التنفيذي لشركة "يـارا" النرويجية، "أوروبا لديها دائماً قدرة شرائية أقوى من الدول الفقيرة. أفريقيا والمناطق المحيطة بها هي التي ستواجه الأزمة... الدول الأكثر ضعفاً هي التي ستتحمل أعلى الأسعار" . هذه هي مفارقة العولمة: فقراء العالم يدفعون ثمن حروب لا دخل لهم فيها.

واردات القمح.. شريان الحياة المهدد
من بين كل السلع الغذائية، يبقى القمح هو الأكثر خطورة وحساسية. فهو الغذاء الأساسي لأكثر من 3.5 مليار إنسان، ومصر وحدها تستورد نحو 12 مليون طن سنوياً لتأمين احتياجاتها من الخبز الذي يشكل قوتاً يومياً للملايين . المنطقة العربية ككل تستورد ما يقرب من 40% من احتياجاتها من القمح، وتصل النسبة في بعض الدول إلى 100% . هذه الدول التي تعتمد على استيراد القمح تجد نفسها اليوم في مأزق مزدوج: من ناحية، أسعار الأسمدة ترتفع بشكل جنوني مما يهدد الإنتاج المحلي الذي يعول عليه البعض لتعويض نقص الواردات، ومن ناحية أخرى، مصادر القمح التقليدية في البحر الأسود وأوكرانيا وروسيا تعاني من اضطرابات سياسية ولوجستية، مما يهدد وصول الشحنات في الوقت المناسب وبأسعار معقولة. كما أن إغلاق مضيق هرمز يؤثر بشكل غير مباشر على تجارة الحبوب العالمية، إذ أن الناقلات التي تنقل الأسمدة والغاز الطبيعي هي نفسها التي قد تنقل الحبوب في رحلات العودة، وتعطيل هذه الدورة يخلق أزمة نقل عالمية.

هل من بديل؟ نحو زراعة لا تعتمد على الوقود الأحفوري
أمام هذه الكارثة، يطرح السؤال نفسه: هل هناك مخرج؟ هل يمكن للعالم أن يبني نظاماً غذائياً أكثر مرونة وأقل اعتماداً على الوقود الأحفوري وسلاسل التوريد الطويلة؟ هناك نماذج واعدة يمكن البناء عليها. في كينيا، تعمل مبادرة "الابتكار العالمي وبناء القدرات للسود" على تدريب المزارعين على كيفية صنع سماد عالي الجودة بأنفسهم . في كمبوديا، تقوم شركة ناشئة بتسمية "إيفورا" بتربية ذبابة الجندي الأسود لإنتاج سماد عضوي غني بالمغذيات وعلف حيواني غني بالبروتين من المخلفات العضوية . في غانا، تقوم شركة "سابونساك" بتحويل بقايا قصب السكر إلى سماد دودي غني . هذه ليست مجرد مشاريع صغيرة، بل هي بذور لنظام زراعي جديد، نظام يعتمد على الموارد الطبيعية المحلية ويقلل الاعتماد على الاستيراد ويعيد تدوير المخلفات ويخلق فرص عمل محلية. إنه نظام يقوم على مبادئ الزراعة البيئية التي تتعامل مع الطبيعة كشريك لا كمجرد مورد. هذه الأنظمة البيئية التي تستخدم الموارد الطبيعية لبناء خصوبة التربة وإدارة ضغط الآفات هي جزء من عدد لا يحصى من الأمثلة العالمية التي تستغل مهارات ومعرفة الملايين من المزارعين .

الدروس المستفادة.. نحو أمن غذائي حقيقي
ما تقدمه هذه الأزمة من دروس قاسية يجب أن تدفعنا لإعادة التفكير في مفهوم الأمن الغذائي. أولاً، الأمن الغذائي ليس مجرد توفير الغذاء، بل هو تأمين سلاسل الإمداد، ودرس اليابان والهند والبرازيل يؤكد أن الاعتماد على مصدر واحد للاستيراد هو رهان خاسر، والتنويع هو مفتاح الأمان. ثانياً، الزراعة لا يمكن فصلها عن الطاقة، فنظامنا الغذائي الحديث مبني على الوقود الأحفوري، من الأسمدة إلى النقل، وأي أزمة طاقة ستتحول حتماً إلى أزمة غذاء، والاستثمار في الطاقة المتجددة هو استثمار في الأمن الغذائي. ثالثاً، البدائل موجودة لكنها تحتاج إلى دعم، فالزراعة البيئية والسماد العضوي وتقليل الاعتماد على الأسمدة الكيماوية كلها حلول مجربة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية وتحويل الدعم من الصناعات الكبيرة إلى المزارعين المحليين. رابعاً، الحروب اليوم لا تقتل بالرصاص فقط، بل بالجوع، و45 مليون شخص إضافي على شفا المجاعة هو سلاح أكثر فتكاً من أي قنبلة، والعالم يجب أن يدرك أن معاقبة الأنظمة السياسية لا يمكن أن تكون على حساب شعوب بريئة. خامساً، الممرات المائية ليست مجرد طرق تجارية بل هي شرايين حياة، وما يحدث في مضيق هرمز يجب أن يكون درساً للجميع، فإغلاق ممر مائي استراتيجي يمكن أن يهز استقرار العالم بأسره، وحماية هذه الممرات هي مسؤولية دولية.

خاتمة.. حان وقت بناء نظام غذائي أكثر عدلاً ومرونة
في النهاية، تعيدنا أزمة الأسمدة العالمية إلى سؤال وجودي: هل نريد الاستمرار في نظام غذائي هش يعتمد على صراعات النفط والغاز، أم نبني نظاماً جديداً أكثر عدلاً واستدامة؟ الحرب في الشرق الأوسط كشفت عن عورة النظام الغذائي العالمي، وكشفت كيف أن قرارات السياسة في طهران وواشنطن وبكين يمكن أن تحدد ما إذا كان مزارع في البرازيل أو اليابان سيجد السماد لحقله، وكشفت أن الفقراء في إفريقيا وآسيا سيدفعون الثمن الأعلى لأخطاء لا ذنب لهم فيها. هذه الأزمة هي أيضاً فرصة، فرصة لإعادة التفكير في نموذجنا الزراعي، وفرصة لتحويل الدعم من الصناعات الكيميائية الكبرى إلى المزارعين المحليين، وفرصة للاستثمار في البحث عن بدائل مستدامة، وفرصة لبناء سلاسل إمداد أقصر وأكثر مرونة، وفرصة للتضامن الدولي الحقيقي حيث لا يكون الأمن الغذائي لأي دولة رهينة بصراعات الآخرين. الطريق ليس سهلاً، لكن البديل هو الاستمرار في هذا المسار المحفوف بالمخاطر، وإذا لم نتعلم من أزمة اليوم، فسنواجه أزمات أكبر غداً، وأزمات قد لا نجد لها حلولاً.

سؤال للقارئ
بينما تقرأ عن هذه الأزمة العالمية، عن ملايين الأطنان من الأسمدة العالقة في مياه الخليج، عن مزارعين في اليابان والهند والبرازيل يائسين لتأمين محصولهم، عن 45 مليون شخص إضافي على شفا المجاعة، عن سلاسل إمداد القمح المهددة في البحر الأسود ومضيق البوسفور، يبقى السؤال مفتوحاً لنا: هل تعتقد أن العالم قادر على بناء نظام غذائي أكثر مرونة وأقل اعتماداً على الوقود الأحفوري وسلاسل التوريد الطويلة؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه الدول العربية، التي تقع في قلب هذه الأزمة، في تحويل التحدي إلى فرصة لتحقيق الأمن الغذائي المستدام؟

و هل تشعر أن أزمة الأسمدة أصبحت أقرب إليك مما كنت تتصور؟ وهل تعتقد أن مصر والدول العربية قادرة على تحويل هذا التحدي إلى فرصة لتحقيق الأمن الغذائي المستدام؟

إيهاب محمد زايد أزمة الأسمدة العالمية.. عندما تتحول الحروب إلى مجاعة تطرق أبواب الملايين الجارديان المصرية