السبت 21 مارس 2026 12:24 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

ضاحى عمار يكتب : مصر لا تُستعار ولا تُغادر

الكاتب الكبير أضحى عمار
الكاتب الكبير أضحى عمار

تداولت بعض الأقلام في دولة شقيقة عبارة تحمل قدراً من التهديد المبطن، مفادها أن الأيام قد تدور، وأن المصريين ربما يجدون أنفسهم لاجئين، وسيُعاملون حينها بالمثل. عبارة عابرة في ظاهرها، لكنها تفتح باباً أوسع للحديث عن طبيعة هذا الشعب، وتاريخه حين تشتد المحن.
للعودة إلى الإجابة، لا بد من الرجوع إلى واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ مصر الحديث، حين كانت القاهرة على أبواب الغزو الفرنسي في أواخر القرن الثامن عشر. المشهد وقتها لم يكن مثالياً، بل أقرب إلى الفوضى السياسية. سلطة موزعة بين والٍ عثماني محدود التأثير، وقيادات مملوكية منشغلة بالصراع على النفوذ، أكثر من انشغالها بالدفاع عن البلاد.
في تلك اللحظة الحرجة، تراجع القادة، وارتبكت الحسابات. انسحب بعضهم، وفرّ آخرون، تاركين البلاد في مواجهة مصيرها. لم تكن تلك أول مرة تتخلى فيها النخب عن مسؤولياتها، لكنها كانت اختباراً حقيقياً لجوهر المجتمع نفسه.
المفاجأة لم تأتِ من القصور ولا من معسكرات الحكم، بل من الأزقة والأسواق. القاهرة لم تفرغ من أهلها، ولم تُرفع الرايات البيضاء. على العكس، تحرك الناس بعفوية لافتة؛ الحرفيون، التجار، الفقراء، وحتى أصحاب الأموال، كلٌ أدى دوراً بما يملك. البعض خرج بما توفر لديه من أدوات بسيطة، وآخرون تكفلوا بإمدادات الطعام والمال، بينما تحولت الشوارع إلى ساحات تعبئة شعبية.
لم يكن هناك جيش نظامي متماسك يقود المعركة، لكن كان هناك وعي جمعي بأن الأرض لا تُترك، وأن المدينة لا تُسلم بسهولة. حتى الرموز الدينية والاجتماعية لعبت دوراً في شحذ الهمم، وتحولت إلى نقاط تجمع معنوي، أعادت صياغة المشهد بالكامل.
ورغم التفوق العسكري للقوات الغازية، لم تستقر الأوضاع لهم طويلاً. شهدت القاهرة موجات من المقاومة والانتفاض، حتى أصبحت كلفة البقاء أكبر من كلفة الرحيل. انتهى الأمر بخروج الحملة، وبقاء المصريين حيث هم، على أرضهم.
هذه الواقعة ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل تعبير عن نمط متكرر في الشخصية المصرية. لم تعرف مصر عبر تاريخها موجات نزوح جماعي تفرغ الأرض من أهلها. الارتباط بالمكان هنا ليس اقتصادياً فقط، بل وجداني عميق، يتجاوز فكرة البحث عن ملاذ مؤقت.
الحديث عن “لاجئين مصريين” بهذا المعنى يتجاهل حقائق راسخة؛ أن هذا الشعب، حين يُختبر، لا يبحث أولاً عن مخارج، بل عن سبل للصمود. قد تختلف الظروف من عصر لآخر، لكن الثابت أن المصريين لم يكونوا يوماً أمة ترحل تحت الضغط.
أما الرسائل التي تُلقى جزافاً في أوقات التوتر، فهي لا تغير من هذه الحقائق شيئاً. فالتاريخ لا يُكتب بالتصريحات، بل بالمواقف، ومصر كتبت سجلها بالفعل، صفحة بعد صفحة.
وفي النهاية، من يظن أن المعارك تُحسم بالكلمات أو بالاستقواء من بعيد، عليه أن يراجع حساباته جيداً. فالأوطان التي صمدت آلاف السنين، لا تهتز أمام ضجيج عابر، ولا تنتظر شهادة من أحد لتثبت مكانتها.
اتمنى تكونو فهمتم ايها العلوج

أضحى عمار مصر لا تُستعار ولا تُغادر الجارديان المصرية