الجمعة 27 مارس 2026 04:33 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

خالد درة يكتب ﻣﻦ باريس: بالعقل أقول…( ترامب بين المهلة…و البحث عن مخرج ؟ )

الكاتب الكبير خالد درة
الكاتب الكبير خالد درة

فجأة و بدون توقّع وجد ترامب نفسه فى مأزق سياسي كبير و وقع بين سندان التراجع و مطرقة الإستمرار بدون هدف واضح من الحرب مع إيران .. فهو لم يتوقع أبداً من هذا الصمود الغير طبيعي من إيران .. كان يظن أن تسقط إيران ﻣﻦ الضربة الأولى لها و فقط .. إلّا أنه تفاجأ بما لا يليق به كقوة عظمى في العالم ، و وجد أمامه قوة عظمى أخرى لكن بنوع و طعم جديدين .. نوع لا يستسلم و لا يتقهقر و لا ينهزم ..

و بعد مدة تناهز الشهر إلا أنها جاءت بالفشل فى السيطرة على الوضع العسكرى فى إيران .. جاء تهديد ترامب بتحديد مهلة للإستسلام و سرعان ما يجد صمود و إستموات ، فيجدد ترامب المهلة من جديد ظناً منه أن يجد جديداً أو إستسلاماً لكن هذه المهلة لا يبدو احتمالًا من بين احتمالات ، بل نتيجة شبه محسومة ..

و ليس من الواقعي التعاطي مع المهلة التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران على أنها فرصة حقيقية لإنتاج اتفاق .. هذه المهلة ، في جوهرها ، تبدو أقرب إلى أداة ضغط شكلية ، تفتقر إلى الحد الأدنى من الشروط السياسية و الزمانية التي تسمح بولادة تسوية جدية .. فدولة كإيران ، راكمت خبرة طويلة في مواجهة العقوبات و الضغوط ، لا يمكن أن تنخرط في مسار استسلام تحت سقف زمني ضيق ، خصوصاً حين يتعلق الأمر بملفات سيادية كبرنامجها النووي و ملفها الصاروخي و دورها الإقليمي ..

بناءً عليه ، فإن فشل هذه المهلة لا يبدو احتمالًا من بين احتمالات ، بل نتيجة شبه محسومة .. و ما إن يسقط هذا المسار الدبلوماسي الهش ، حتى يبدأ الانزلاق نحو مسار أكثر خطورة : تصعيد عسكري تدريجي ، تحاول من خلاله واشنطن فرض وقائع ميدانية تعوّض عجز السياسة .. غير أن هذا الخيار يصطدم سريعاً بحقائق الجغرافيا و الاستراتيجية ، وعلى رأسها التعقيدات المرتبطة بمضيق هرمز ، حيث لا يمكن لأي مواجهة أن تبقى محدودة أو مضبوطة الإيقاع ..

هنا تحديدًا ، يبدأ التحول الحقيقي : من وهْم الحسم السريع إلى واقع الاستنزاف المفتوح .. فإيران ، التي لا يُتوقع أن تُكسر بضربات خاطفة ، و تمتلك من أدوات الرد غير المتكافئ ما يكفي لإطالة أمد الصراع ورفع كلفته إلى مستويات غير مسبوقة .. و مع تزايد الضربات و الردود ، تتكرس ملامح حرب طويلة ، أقرب في منطقها إلى الحرب الروسية الأوكرانية ، حيث يغيب الحسم و تحضر معادلة الاستنزاف كخيار وحيد ..

لكن خطورة هذا السيناريو لا تكمن فقط في بعده العسكري ، بل في تداعياته العالمية .. فأي تعمق في أزمة مضيق هرمز يعني عملياً إدخال سوق الطاقة في حالة فوضى ، ما يفتح الباب أمام ارتفاعات حادة في الأسعار و أزمات اقتصادية متلاحقة .. و في هذا السياق ، تجد قوى مثل روسيا و الصين فرصاً استراتيجية لتعزيز مواقعها ، سواء عبر توظيف أزمة الطاقة أو عبر استثمار التآكل التدريجي في صورة القوة الأميركية ..

و مع مرور الوقت ، تتكشف المعضلة الحقيقية أمام واشنطن : المشكلة ليست في القدرة على توجيه الضربات ، بل في عجز هذه الضربات عن إنتاج نتيجة حاسمة .. فتكلفة كسر إيران إن كان ذلك ممكناً أصلًا تتجاوز بكثير كلفة القبول بتسوية ، خاصة في ظل حرب مفتوحة تستنزف الموارد و تضغط على الحلفاء و تهز الاستقرار العالمي ..

عند هذه النقطة ، لا يكون التحول خياراً ، بل ضرورة ، ليخرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجدداً ، لا ليعلن تراجعاً ، بل ليعيد صياغة المشهد ، و يقدَّم المفاوضات كامتداد للنجاح العسكري ، لا كبديل عنه ، و يعود لسردية على أن واشنطن فرضت شروطها : تحجيم القدرات النووية الإيرانية ، إخضاعها لرقابة مشددة ، و الحد من دور حلفائها بما يطمئن إسرائيل و القضاء على ترسانتها الصاروخية ..

غير أن جوهر المسألة سيكون مختلفاً تماماً : مفاوضات تُدار تحت ضغط الاستنزاف ، و هدفها الفعلي ليس تكريس نصر حاسم ، بل البحث عن مخرج من حرب بدأت تتجاوز حدود السيطرة ..

و بعد فشل المهلة ، لم يعد الحديث عن إمكانية وقف الحرب ، بل أصبح السؤال الحقيقي : كم ستستغرق هذه الحرب ، و كيف ستحدد المهلة الزمنية لاستشراف مدتها؟ و هل هذه المهلة حقاً للإيران .. أمر لترامب لإيجاد مخرج ؟ .

خالد درة . بالعقل أقول…( ترامب بين المهلة … و البحث عن مخرج …؟ ) الجارديان المصريه