السبت 4 أبريل 2026 10:04 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حكايات مصيرية

الكاتب الصحفي الحسيني عبدالل يكتب: حين تتحول الرحمة إلى مسؤولية

الكاتب الكبير الحسيني عبدالله
الكاتب الكبير الحسيني عبدالله

في كل عام، يطلّ علينا يوم اليتيم الموافق الجمعه الأولى من شهر أبريل لا كذكرى عابرة، بل كنداء إنساني عميق يذكّرنا بواجبنا تجاه فئة فقدت السند، لكنها لم تفقد الحق في الحياة الكريمة. إنه يوم تتجدد فيه معاني الرحمة والتكافل، وتُختبر فيه إنسانيتنا الحقيقية بعيدًا عن الشعارات، في ضوء قيم دينية راسخة جعلت من رعاية اليتيم مسؤولية لا تقبل التأجيل.
لقد أولى الإسلام عناية خاصة باليتيم، فارتبطت رعايته بمقاصد الشريعة في حفظ النفس والكرامة. يقول الله تعالى: “فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ”، وهي دعوة صريحة لعدم إيذائه، بل معاملته برفق ورحمة. كما جاء التحذير الشديد من التعدي على حقوقه: “إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا”، ليؤكد أن رعاية اليتيم ليست مجرد عمل خيري، بل واجب ديني وأخلاقي.
وفي السنة النبوية، تتجلى أسمى صور الرحمة، حيث قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين”، في إشارة إلى عِظم الأجر ومكانة هذا العمل. كما قال: “خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُحسن إليه”، وهو ما يرسّخ ثقافة مجتمعية قائمة على الاحتواء والتكافل.
ولعل من أعمق الدلالات أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه نشأ يتيمًا، فحوّل التجربة الإنسانية إلى رسالة خالدة تُلزم الأمة كلها برعاية اليتيم، ليس فقط بإطعامه وكسوته، بل ببنائه نفسيًا وتعليميًا، ليكون فردًا قادرًا على مواجهة الحياة بثقة وكرامة.
وفي الواقع المعاصر، لم يعد مفهوم رعاية الأيتام مقتصرًا على المساعدات المادية، بل أصبح يشمل الدعم النفسي والتعليمي والاجتماعي، وهو ما يتطلب تضافر جهود الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب المبادرات الفردية التي تعيد رسم الابتسامة على وجوه فقدت الكثير.
إن يوم اليتيم فرصة حقيقية لمراجعة أنفسنا: هل قمنا بدورنا كما ينبغي؟ وهل ساهمنا في صناعة مستقبل أفضل لهؤلاء الأطفال؟ فالأمم لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد، بل بقدرتها على حماية أضعف أفرادها.
وفي زمن تتسارع فيه التحديات، يبقى اليتيم بحاجة إلى أكثر من يوم في العام؛ بحاجة إلى مجتمع يحتضنه، ويؤمن بقدراته، ويفتح له أبواب الأمل. فربما يكون هذا الطفل، الذي فقد عائلته، هو صانع الغد وأمل المستقبل.

حكايات مصيرية الكاتب الصحفي الحسيني عبدالل يكتب حين تتحول الرحمة إلى مسؤولية الجارديان المصريه