الخميس 9 أبريل 2026 10:54 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د/ مصطفى يونس احمد يكتب : ترامب بين نرجسية معمر القذافى وشخصيات تاريخية أخرى

د،مصطفى يونس احمد
د،مصطفى يونس احمد

ذكرتنى احاديث الرئيس الامريكى"دونالد ترامب" وظهوره الإعلامى خلال الحرب التى شنها مع حليفته إسرائيل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالرئيس الراحل "معمر القذافى" خلال احاديثه وظهوره الإعلامى إبان الثورة الليبية التى اندلعت ضد نظامه فى فبراير2011 م ، والتى قُتل خلال احداثها فى اكتوبر من نفس العام .
ففى العموم اشتهر "القذافي" بمواقفه وخطاباته غير التقليدية – الارتجالية فى غالبيتها - والتي أثارت الضحك والسخرية في كثير من الأحيان ، وظلت مشاهد القذافي مادة للفكاهة ؛ إذ انتشرت مقاطع لاحاديثه تحت مسميات "طريفة و"كوميدية" ، كما ظلت مشاهده ايضاً مادة للتوثيق كــ "غرائب" في السياسة العربية ، ووصفته الكثير من الكتابات بأنه من أغرب الحكام بسبب تصرفاته غير المدروسة . وعلى وجه الخصوص تميز ظهوره اثناء الثورة المشار إليها بالتحدي والخطابات الحماسية ، ولعل ظهوره فى فبراير2011 م من أمام منزله فى باب العزيزية بطرابلس مرتدياً ملابس رثة ، والقاؤه الخطاب الشهير الذى هدد فيه بـ"تطهير ليبيا شبراً شبراً، وداراً داراً، وزنقة زنقة" خير دليل على ذلك ، كما أكثر فى خطاباته أثناء تلك من اللهجة الحادة التى هدد فيها المتظاهرين ووصفهم بـ"الجرذان" و"العملاء" و"المغرر بهم" .
وفى المقابل تتميز خطابات "دونالد ترامب" بأسلوب ساخر ولاذع يثير تفاعلاً واسعاً لدى الكثيرين ؛ إذ يسخر – كثيراً- من خصومه السياسيين ومن المحتجين ضده وضد إدارته ، مستخدماً نكاتاً وحركات مسرحية، كما يطلق تصريحات مثيرة للجدل مثل : سخريته من بعض الرؤساء ، وتهديداته بإبادة حضارات بأكملها، مما يجعله محط سخرية وانتقاد ، كما لا يفوته الهجوم على الإعلام والمعارضينواصفاً اياهم بــ "الخاسرين" ، وهنا يرى البعض أن ذلك الأسلوب جزءاً من استراتيجيته للتواصل المباشر مع جمهوره ، وأن تلك الاستراتيجية غالباً ما تؤدى إلى زيادة الاستقطاب والانقسام الداخلي .
وخلال الحرب الأمريكية الاسرائيلية على إيران وصفت احاديث ترامب وتدويناته بالــ "مدهشة" ؛ ذلك أنها مُلأت بالحديث عن بطولاته هو وجيشه وقادته والحديث عن صولاته وجولاته وحديثه المتواصل عن قضاؤه على إيران وهزيمتها هزيمة ساحقة وانهاء مشروعها النووى ، واستغلاله فرصة نجاح عملية إنقاذ الطيار الأمريكى ليضفى عليها صبغة دينية ، ووصفها بأنها "معجزة عيد القيامة" ، كذلك امتلأت خطاباته بتناقضات غير مسبوقة "الجملة وعكسها" ، بالإضافة إلى استعراضه "العضلات الأمريكية" ، والحديث عن قدراته التدميرية ، وكيف أنه يستطيع تدمير كل الجسور ومحطات توليد الكهرباء فى إيران خلال "أربع ساعات"، وحديثه عن جيشه وعدم وجود أحد يملك الجيش ولا المعدات العسكرية التى تمتلكها أمريكا ، واعتياده على الردود غير الاخلاقية على اسئلة الصحفيين مثل رده على سؤال من احدهم مفاده : كيف لا يعد استهداف البنية التحتية الإيرانية جريمة حرب؟ بقوله: "لأنهم حيوانات" .
وإذا عدنا بأدراجنا إلى " القذافى" نجد أن الاعلاميين فى احاديثهم عنه- قديماً وحديثاً - يستخدمون كثيراً عبارة : أنه مصاب بــ "جنون العظمة "، كما نجد - أيضاً- أن الكثير من المحللين السياسيين والنفسيين – على نطاق واسع – ينظرون إلى "ترامب" على أنه مصاب بنفس الجنون ، مع العلم أن عبارة - جنون العظمة - ليست مصطلحاً نفسياً ؛ إذ ليس هنالك اضطراب مدرج في قائمة الاضطرابات النفسية يُسمى "جنون العظمة " وبالتالى فهو مصطلحاً اعلامياً أكثر من كونه مصطلحاً علمياً .
اما مصطلح النرجسية" وما يشير إليه فى علم النفس كحالة مرضية يتميز المصاب بها بنمط مستمر من العظمة، والحاجة الملحة للإعجاب، ونقص التعاطف ، واستغلال الآخرين لتحقيق مآرب شخصية دون الشعور بالذنب ، وغياب التعاطف ، والغرور والتعجرف فهو المصطلح الأقرب لشخصية الرجلين .
فقد أشار الكثير من الكتاب إلى أن شخصية "القذافي النفسية كانت تتميز بنرجسية عالية وغرور، وأنها وصلت للحد الأعلى من النرجسية دفعت به لحد "الوهم" بعلو ذاته عن البشر؛ فنجده يقول عن نفسه: أنه "عميد الحكام العرب ، وملك ملوك إفريقيا ، وصاحب النظرية العالمية الثالثة، والمناضل ، ويكرر عن خصومه عبارته الشهيرة " من أنتم" ، ونجده أيضاً يطلق على ليبيا "الدولة العظمى" على اعتبار أنها تُضاهي مصاف الدول العظمى بسبب حكمه لها، كما تظهر معالم نرجسيته في شعوره بالفخر والاعتداد بنفسه ، فهو أكثر حاكم اعتنى بهندامه حتى أطلق عليه بعض الساخرين لقب الفائز بجائزة عارض الأزياء ، رغم أنه دائماً ما كان يتظاهر بخلاف ما هو عليه من مشاعر الكبر، كأن يسكن الخيمة ويسمي نفسه بــ "الأخ القائد"، أو "العقيد" لإظهار مدى تواضعه .
اما الرئيس "ترامب" فيتصرف بشكل غير متوقع ومتقلب و كأن عقدة نفسية باطنية تدفعه للتصرف بهذه الطريقة ؛ فهو يرى نفسه أقوى رجل في العالم، ويستغل تلك السلطة بشكل قوى ؛ فيثير اضطرابات في جميع أنحاء العالم، مما حدا بأغلب علماء النفس أن يصفونه بـــ "شخصية نرجسية نموذجية " ؛ إذ تتجلى تلك النرجسية في شخصيته و سلوكه بشكل واضح ، فقد هاجم إيران أملاً في تحقيق نصر سريع وهذا دليل واضح على تصرفاته النرجسية التى ما زالت تفاجئ العالم على مدى الأيام بدون انقطاع ، و كأنه يحتاج بشكل متواصل لإثبات انه الأقوى في العالم.
لكن ميوله للعظمة والإعجاب بنفسه جعل منه اول رئيس امريكي متقلب و غير ثابت في آرائه وعاجز عن اتباع استراتيجيات طويلة الأمد و السبب الأصلي في هذا التصرف هو أن شخصيته أو نفسيته لا يحدوها الصبر والعمل المتواصل غير المنقطع والدراسة المتعمقة لمشاكل المجتمع الأمريكى أو غير الأمريكى .
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن "ترامب" لم يكن هو فقط من بين رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية الذى ظهرت عليه تلك العلامات "النرجسية " فقد أشارت تلك الدراسات ومثيلاتها فى علم النفس السياسي إلى أن عدداً من الرؤساء الأمريكيين أظهروا سمات نرجسية عالية مثل : ليندون جونسون (1963-1969) الذى يذكر فى تحليلات الشخصية كأحد أكثر الرؤساء نرجسية ، وأندرو جاكسون (1829-1837) الذى اشتهر بصلابته وثقته المطلقة بنفسه ، وريتشارد نيكسون (1969-1974) الذى أظهر سمات شك ونرجسية في إدارة السلطة ، بيل كلينتون (1993-2001) الذى أشار بعض المحللين إلى سمات نرجسية في شخصيته السياسية ، وجيمي كارتر (1977-1981) الذى أشير إلى كثرة تباهيه بالذات .
خلاصة القول أن الدراسات التاريخية أثبتت وجود الكثير من القادة "النرجسيين" فى العالم - قديماً وحديثاً - امثال هؤلاء الذين تقدم ذكرهم ، وكذلك امثال الزعيم الألمانى "أدولف هتلر" الذى يعد نموذج تاريخي للقائد النرجسي الذى قادت نرجسيته لتدمير واسع ، وكذلك امثال رئيس الوزراء الاسرائيلى "بنيامين نتنياهو" الذى يُدرج ضمن القادة الذين يظهرون سمات نرجسية قوية ، وإن كانت تلك الدراسات تصف نرجسية "دونالد ترامب" بالـــــ "الاستثنائية".