الثلاثاء 5 مايو 2026 12:24 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتبة هدى حجاجى تكتب : حين يتآكل الإنسان بصمت… ويُعاد نسجه من الخيبة

الكاتبة هدى حجاجى
الكاتبة هدى حجاجى

لم يعد الإنسان في هذا الزمن يُكسر فجأة كما نظن، بل يُعاد تشكيله ببطء شديد، كأن هناك يدًا خفية لا تُرى، تعمل على تفكيك ملامحه الداخلية وإعادة خياطتها من جديد بخيوطٍ غير مرئية. نحن لا ننهار في لحظة، بل نتآكل على مهل، نتآكل من الداخل بينما نظل واقفين من الخارج، نبدو متماسكين بما يكفي لنخدع الآخرين، وأحيانًا نخدع أنفسنا أيضًا.

في البداية، يكون كل شيء بسيطًا ومحتملًا: خيبة صغيرة، كلمة لم تُفهم، وعدٌ تأخر، فرصة ضاعت في توقيت غير مناسب. لا ننتبه حينها أن هذه التفاصيل الصغيرة ليست عابرة، بل هي المواد الخام الأولى لنسيجٍ جديد يبدأ في التشكّل داخلنا. نضحك، نتجاوز، نقول “لا بأس”، ونمضي، لكن “لا بأس” نفسها تتحول مع الوقت إلى طبقة صامتة تُضاف فوق طبقات أخرى، حتى يصبح الصمت بناءً كاملًا قائمًا داخلنا.

ومع الأيام، نكتشف أننا لم نعد كما كنا. هناك شيء تغير، شيء لا يمكن تسميته بسهولة، لكنه يُحسّ في طريقة ردّ فعلنا، في سرعة انسحابنا، في ميلنا إلى الصمت بدل الشرح، وإلى التجاوز بدل المواجهة. نبدأ في التكيّف، لا لأننا أقوياء، بل لأننا متعبون من المحاولة. وهكذا، يتحول التكيف إلى أسلوب حياة، ثم إلى هوية.

الإنسان في هذه المرحلة لا يعود يواجه الحياة مباشرة، بل يلتف حولها. يختار الطريق الأقل احتكاكًا، الكلام الأقل تكلفة، المشاعر الأقل إزعاجًا. وكأننا نتعلم تدريجيًا كيف نقلل من وجودنا كي لا نتألم أكثر. لكن الثمن يكون باهظًا: كلما قلّ حضورنا الحقيقي، زاد اغترابنا عن أنفسنا.

وفي عمق هذا التحول، يبدأ ما يمكن تسميته بـ”مؤامرة النسيج”. ليست مؤامرة خارجية كما قد يبدو، بل عملية داخلية بحتة، حيث تتحول الخيبات إلى خيوط، والتجارب إلى عقد، والذكريات إلى طبقات متداخلة يصعب فصلها عن بعضها. كل خيبة لا تُعاش بوعي تتحول إلى جزء من البنية الداخلية للإنسان، وكل وجع لم يُفهم يتحول إلى نمط يتكرر بصيغ مختلفة.

وهنا يصبح الإنسان شبيهًا بنسيج معقّد، لا يعرف أين يبدأ فيه الألم وأين ينتهي. يصبح الكل متشابكًا: الحب القديم الذي لم يكتمل، الصداقة التي خذلت في لحظة غير متوقعة، العائلة التي لم تفهم، العمل الذي استنزف الروح، والآمال التي تأجلت حتى فقدت معناها. كل ذلك لا يختفي، بل يُعاد ترتيبه داخلنا بطريقة تجعلنا نظل واقفين، لكن بثقل غير مرئي.

الأخطر في هذا كله أن الإنسان لا ينتبه لعملية التحول هذه إلا متأخرًا. حين يلاحظ فجأة أنه لم يعد يشعر بنفس الخفة، أو أن الأشياء التي كانت تُفرحه سابقًا أصبحت تمرّ عليه ببرود، أو أن المسافة بينه وبين نفسه أصبحت أوسع مما كانت. حينها فقط يدرك أنه لم يعد هو ذاته، بل نسخة منه تشكلت عبر طبقات من التراكمات الصامتة.

وفي لحظة مواجهة نادرة، قد يحاول الإنسان أن يفهم: متى بدأ هذا كله؟ أين كانت النقطة التي تغيّر فيها المسار؟ لكنه لا يجد إجابة واضحة، لأن التحول لم يحدث في لحظة واحدة، بل في مئات اللحظات الصغيرة التي لم ننتبه لها ونحن نعيشها. كان كل شيء يبدو طبيعيًا، حتى اكتشفنا أن الطبيعي نفسه قد تغيّر.

ومع ذلك، لا يمكن القول إن هذا المصير حتمي بالكامل. فكما يُنسج الإنسان من الخيبة، يمكنه أيضًا أن يعيد تفكيك هذا النسيج، لكن ذلك لا يحدث بالإنكار، ولا بالهروب، بل بالمواجهة الهادئة. بأن يعترف أولًا أن ما بداخله ليس بسيطًا، وأنه ليس بخير دائمًا، وأنه لا بأس في ذلك. فالبداية الحقيقية ليست في القوة، بل في الصدق.

الصدق مع الذات هو أول خيط يمكن قطعه في هذا النسيج المعقّد. لأن كل وعيٍ بالألم هو خطوة نحو استعادته كشيء مفهوم، لا كشيء مسيطر علينا. وحين نفهم ما حدث لنا، نفقد جزءًا من سلطته علينا.

في النهاية، الإنسان ليس كائنًا ثابتًا، بل كيان يُعاد تشكيله باستمرار. لكن السؤال الحقيقي ليس: كيف كُسِرنا؟ بل: هل سنستمر في إعادة نسج أنفسنا من الخيبة فقط… أم سنبدأ أخيرًا في إدخال خيوطٍ أخرى، أكثر رحمة، أكثر وعيًا، وأكثر صدقًا مع ما نحن عليه حقًا؟

هدى حجاجى حين يتآكل الإنسان بصمت… ويُعاد نسجه من الخيل الجارديان المصريه