عصام سامى بيومى يكتب من كندا: ليس بالقنابل وحدها تفنى الأمم
قال أحدهم ذات مرة إنه كلما ظننا أننا وصلنا إلى القاع فوجئنا بسقوط جديد... وبالطبع هذا على كل المستويات... إمعان في السقوط في كل شيء!
وأخص هنا سقوط لغتنا العربية الجميلة والحرب الشعواء التي تُشن عليها لتشويهها وتشويه كل المعاني بمحو أثرها في النفوس وتعميق وتعميم استخدام لغة أخرى، لغة جديدة، هي اللغة العامية، التي تصيبني أحياناً بالغثيان وخاصة عندما تكون منطوقة.
وامتدادا لمقالات سابقة أحدها بعنوان "المثقف العالمي والمثقف المحلي" ومقال "معلقون لا مفكرون" أريد أن أعبر عن استياء شديد من اللهجة العجيبة المقذذة التي صارت تنتشر كانتشار النار في الهشيم في المشاركات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي سواء مكتوبة أو مشاهدة..
قبل سنوات قليلة خرج "معلق" معروف على الأحداث وقدم نفسه بطريقة شبه احترافية لا غبار عليها وختم مقدمته بعبارة "هات كباية الشاي بتاعتك وتعالى"،... وخرج آخر بأسلوب أكثر عامية وسمى برنامجه مسمى على نفس قافية الشاي. وخرج ثالث وزاد في العامية بل استخدم عامية منطقة بعينها- ونصحته وقتها بأن يعدل عن ذلك لأنه لن يكون له جمهور إلا من تلك المنطقة- وأن يعتمد، على الأقل، عامية بلده السائدة...
وللشهادة فهؤلاء الثلاثة كانوا ومايزالون هم أفضل "المعلقين" الذين جاءت بهم وسائل الإعلام الجديد، ويتمتعون بجماهيرية تفوق حتى مخضرمي الإعلام التقليدي.
بعدها انفجرت وسائل التواصل بمقلدين لهم، من كل شكل ونوع، وفي جميع المجالات. لكن للأسف ازدادت اللغة انحدارا وازداد الأسلوب ركاكة وابتذالا وصارت توضع له سيناريوهات تركز على أن المتحدث يكلم شخصا يجلس معه (على المصطبة) ويتناقش مباشرة، سؤالا وردا، ولكن بأسلوب رواد المقاهي الشعبية وأحيانا الحشاشين والبلطجية... ثم ازداد الطين بلة بأن صار "كل" المتحدثين مهما بلغ تعليمهم يتحدثون بهذه اللغة الجديدة "العامية"!
أعرف أن التبرير الجاهز لهذا سيكون كذلك: يجب النزول إلى مستوى رجل الشارع العادي حتى يفهم الناس المقصود".. مع أن هدف من يضطلع بتنوير عقول الناس وتثقيفهم يجب أن يكون رفع مستواهم وليس النزول إليه.
وهنا تضيع معاني كثيرة أهمها الأناقة واللياقة اللغوية والتهذب في الحديث وقبل ذلك كله تضيع روح اللغة ذاتها بل تضيع أسرارها المكونة فيها.. لغة القرآن الفصيحة التي ساد بها الأولون الدنيا علوما وإنجازا، عندما أيقنوا أن تلك اللغة الفصحى هي جزء من تدينهم وتقربهم إلى الله،،،، وسعيهم في عمارة الأرض.
وكلما زاد الإمعان في السقوط نحو العامية والسوقية زاد الابتعاد عن الفصحى التي تحوي أسرار الكون التي فهمها الأولون وسادوا بها العالم.. ولذلك كان من خطط أعداء الإنسانية في حربهم على الإسلام والعروبة محو اللغة العربية الحقيقية من الاستخدام في حياة العرب والمسلمين وهذا مثبت عند كثير من المفكرين الحقيقيين منذ زمن. ومع الإمعان في السقوط تصبح الساحة مفتوحة للمندسين مثل الوحدة 8200، لإفساد ما تبقى من صلات بين العرب ط.
ولا أحسب أن ذلك ينفك لحظة أو يبتعد خطوة عن عملية صناعة الكفر التي يقودها "أنبياء الكفر" أو "أنبياء العولمة" كما سميتهم سابقا، وتستهدف هدم كل القيم وكل جميل وعظيم وتسييد القبح وكل ما يتماشى معه.
في ضوء ذلك أقول إن الحرب على العربية بدأت منذ أكثر من قرنين وبدأ استعارها مع خضوع سلاطين الدولة العثمانية لخدعة ما سمي التحديث حيث تراجعت أهميتها التي كانت كبيرة حتى ولو لم تكن اللغة الرسمية للدولة. ولا أستبعد، بل أرجح بشدة، أن من أسباب تعجيل الانقلاب على السلطان عبدالحميد الثاني أنه كان عاشقا للعربية وكان لديه مشروع لتعريب الدولة. فقد ذكر في مذكراته أنه اقترح على الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) حينها، خير الدين باشا التونسي، جعل اللغة العربية لغة رسمية للدولة لتعميق الروابط بين الأتراك والعرب، لكن المقترح واجه معارضة شديدة من بعض رجال القصر "المتغربين" مثل سعيد باشا الذي قيل إنه كان مقربا من السلطان، ومع ذلك كان هو رئيس البرلمان الذي أعلن خلع السلطان رسميا في 27 أبريل 1909!
وفي إطار مشروعه لإنشاء "الجامعة الإسلامية"، أسس عبدالحميد الثاني مدرسة العشائر العربية في إسطنبول لتعليم أبناء زعماء القبائل العربية وإعدادهم لمناصب الدولة. فكان أعداء الإنسانية له بالمرصاد.
ويدهشني أنه لم يعد هناك من خبراء اللغة العربية وحماتها من يتصدى لهذه الظواهر بدراسات علمية موثقة وجادة ومركزة لدرجة أنه يبدو أن مروجي الحرب على لغتنا قد انتصروا بالفعل وانتهت المعارك ووضعت أوزارها...
بالمقابل وردت في توثيق الحرب على العربية دراسات كثيرة. وقد تطرق إلى هذه الحرب الشعواء على العربية مفكرون كثيرون.
وظهر ذلك بوضوح في كتابات أمثال عبد الوهاب المسيري، وإدوارد سعيد. ورغم أن أيا منهما لم يخصص كتابًا مستقلًا لرصد الحرب على العربية، فقد تناولا العلاقة بين الهيمنة الغربية واللغة والهوية، وربطا بين العولمة وتفكيك الخصوصيات الحضارية.
وركز إدوارد سعيد في مشروعه حول الاستشراق على شرح كيف تعاملت المؤسسات الاستعمارية مع اللغة العربية بوصفها مدخلًا للسيطرة المعرفية والثقافية.
وتكشف لنا كتب التاريخ أنه بينما كانت الحرب على لغتنا مستعرة على الدوام، فقد كان "الآخرون" يستميتون للحفاظ على لغاتهم. وقد ورد أن فرانسوا الأول (أواسط القرن 16 )، أنقذ اللغة الفرنسية من الاندثار في وقت تعددت اللهجات الفرنسية في الأراضي التي يحكمها. بأن أصدر قوانين صارمة باستخدام لهجة واحدة هي لهجة أو لغة باريس.. واستمر الحال حتى بعد اندلاع ما يسمى الثورة الفرنسية حيث وصل عدد اللهجات إلى 30 لهجة أو يزيد فصدرت القوانين من جديد لتوحيدها للحفاظ على تلك اللغة من الزوال.
أما نحن الآن فقد صارت عندنا لهجات أو ربما لغات جديدة في أنحاء عالمنا العربي. فلا يكاد المشرقي يفهم المغربي والعكس بالعكس. ومع تعدد اللهجات أو اللغات ينقطع التواصل، وبالتالي يقل التعاون وترتفع الحواجز.
فالحياة هي التواصل وبلا تواصل لا تكون حياة.. وكلما كانت اللغة راقية وأنيقة وعملية كلما كان المجتمع راقيا ومزدهرا وناجحا. فاللغة هي الحياة الممارسة اليومية. وهدم العربية الفصحى هو هدم فعلي للحضارة وفناء للحياة، حياة أمة العرب والمسلمين التي بدأ انهيارها مع بدء انهيار دولة الإسلام في الأرض، كما بينت في كتابي الأول "عصور الظلام في الإسلام.. كيف تشكل عقلنا الحديث" .. فليس بالقنابل وحدها تفنى الأمم! وقتل اللغة هو إحدى طرق القتل الأخرى.












محكمة الجنايات الاقتصادية تقضى ببراءة مرتضى منصور
القبض على المتهم بطعن طالب بجامعة الأزهر، بسلاح أبيض أودت بحياته.
تأجيل محاكمة طبيب تجميل متهم بالتسبب في وفاة عروس حلوان لـ17 مايو
السجن 3 سنوات لشقيقين لاتهامهما بالشروع في قتل شاب والتعدي على والدته...
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل