الخميس 28 مايو 2026 08:15 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

فنون وثقافة

الإعلامى والأديب محمد جراح يكتب : كف خشبية (قصة قصيرة)

الكاتب والإعلامي الكبير محمد جراح
الكاتب والإعلامي الكبير محمد جراح

متى سافرت؛ ولماذا جاءت لتجلس معي وأجلس إليها؟ لا أتذكر!. قالت إنها إبنة المكان؛ فتذكرت أياماً بعيدة كنت قد أتيت فيها إلى ذلك المرفأ في مهمة عمل لم تتعد اسبوعاً؛ لكنها بسرعتها وضيقها كانت مزدحمة بأخيلة الماضي؛ ومقارنته بواقع متسارع يمتلئ بمتع الأحداث البهيجة؛ ولم ينل منه جرح جديد اندفع ينزف بلا تخثر أو انقطاع.
في جلستنا الجديدة كان الليل يسدل ستائره التي تشع نوراً يمحي كل عبوس؛ ويبدد كل ضجر؛ ورغماً مني سافرت مع خزائن رأسي؛ تذكرت من حكايات التاريخ الأرض بشظفها وعطشها؛ وأكواخ الصيادين الذين اعتادوا مناوأة البحر ومجابهة أمواجه؛ ويفتشون في القاع العميق عن در شحيح يسكن لآلئ تجلب لهم أوراقاً خضراء تكتب لهم متى عادوا الصمود، ولأهليهم الحياة؛ فتقام الأعراس؛ وتمتد ليالي الولائم وقبل أن تنفد الأوراق يعودون ويعود مالك الأوراق منتظراً عودة تتضاعف فيها غنيمته، لكن البحر مثلما كان يمد إليهم ذراعيه في ود وترحاب؛ كان يعود فيرتدي لباس القسوة، ويقبض دونما شفقة على رقاب بعضهم؛ فتتجاور في لياليهم الحالكة المآتم والولائم؛ وتتكاثر في وهادهم المدافن، حتى راى صاحب الأوراق أن يشيد لنفسه على الشاطئ داراً صارت تتمدد وترتفع ولا يزاحمها في ارتفاعها إلا قمر الليل، وشمس النهار!.
ارتجت نوافذ وأبواب واشرأبت أعناق في فزع من ذلك الصوت الصاخب للمقاتلة الحديثة لما مرقت كالسهم فوق المياه التي تهدر في رتابة، ارتمت صارخة في صدري فربت مطمئناً على ظهرها؛ وتمنيت وعطرها يلفني أن يطول ذلك العناق القدري؛ لكن الصوت لما تلاشى عادت من جديد إلى جلستها واعتدالها!.
ماذا تبقى من أرض الخور بفنادقه الكثيرة ومتنزهاته، وكيف استوعبت الوهاد والهضاب تلك المراكز التجارية بأضوائها وعروضها وبصنوف البشر الذين تجمعهم هذه الصدفة العجيبة فيزاحمون أهلها وقد تفوقوا عليهم عدداً؟!.
لم أخبرها أنني كتبت عن بلدها في مذكراتي؛ ولا أنني استدعيتها في بعض رواياتي؛ لكنها ناولتني من نفسها قلماً فاخراً يحمل اسم ماركة شهيرة طالما تمنيتها، ولم أكن مضطراً وهي تنظر في وجهي أن أخرج لها بطاقة هويتي ففاحت بعطر تذكرت معه أيام شبابي وحبيبتي التي كان عطرها يسابقها فأجاهده عند عودتي ، لكن أمي لم تسألني؛ ولم يعلق على رائحتي أحد من إخوتي؛ ولا نالت أصباغها من وجهي أو ملابسي!.
في الزيارة البعيدة استنكرنا ما أقدم عليه السيد الركن المهيب؛ ومن عواقب ما سيترتب على فعله المتهور من شقاق بين اخوة تجمعهم لغة وعقيدة، ومن أبواق تلك القوة التي استفردت بالكون ولا ترى إلا ماتراه.
عادت الكويت وسكن السيد المهيب الركن زاوية في قصر من قصوره الكثيرة حتى أخرجوه مهاناً من فوهة بيارة تشبه بيارات المجاري، وتعاقب من بعده على أمر الرافدين أناس لم نرهم وغيض الطين في شط العرب!.
عادت الطائرة تمرق مثل سهم ومن خلفها أسراب كالجراد يشبهنها؛ هل كنت في مهمة عمل سريعة، أم أنني كنت أنجز مالا أتذكره؟!، أمسكت بقلمي وأشرعت صحائف دفتري؛ لكنها ابتدأت تتحدث، وصارت النيران البعيدة تقترب من مكان جلستنا.
كنت مأخوذاً مما أراه؛ لكنها هونت من الأمر وهي تثني على عطري ورائحته الهادئة؛ أثار استغرابي تعقيبها وأنا أسأل نفسي: متى ولماذا أتيت إلى هذا المكان؟، ومن تكون تلك السيدة بلغتها منزوعة الروح؛ وبجملها التي تشبه قوالب اللغة الجاهزة؟!.
تكاثرت أسئلتها بتكاثر الانفجارات؛ وتوالي الطلقات؛ والسماء تشتعل بأعمدة نيران كشفت ستر ما كان مختبئاً خلف البنايات والأبراج الشاهقة المحيطة.
قمت واقفاً فشدتني من يدي تردد كلاماً يطمأنني؛ قالت لي واثقة بإنه لا داع للقلق، وأن الأمر بأيدي محترفين صناعتهم القتال؛ وهوايتهم القنص؛ فتعجبت من تبدل حالي؛ ومن قلقي وهي تعاود وتلح حتى أجلس حتى ملت فقامت ورأيتها؛ كان وجهها مزحماً بأصباغ كثيرة؛ وبمساحيق تخفي كل نتوءات وجنتيها؛ فتدفقت من خزائن رأسي صور المراكب والصيادين؛ وذلك التاجر الذي يسكن البناية الوحيدة التي تسكن الشاطئ؛ وبالقرب منها أكواخ وخيام تسكنها نسوة قانطات في سواد ثيابهن القاحلة؛ بينما أطفال صغار يجرون هنا وهناك وهم يقذفون بعضهم البعض بكور من الرمال ما أن تسقط على الأرض حتى تتبعثر ولا يبقى شيء من أثرها.
صافحتني مضطرة وأنا أغادرها بكف متخشبة، وما أن ابتعدت حتى كان الفندق الذي جمعنا قد صار كومة من التراب، وبالقرب منه أكوام أخرى تشبهه!.

محمد جراح كف خشبية قصة قصيرة الجارديان المصريه