الثلاثاء 2 يونيو 2026 05:43 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

شحاته زكريا يكتب : الطريق إلى الجمهورية الاقتصادية الجديدة

الكاتب الكبير شحاتة زكريا
الكاتب الكبير شحاتة زكريا

لم تعد قوة الدول في هذا العصر تُقاس فقط بما تملكه من موارد أو ما تحققه من أرقام في التقارير الاقتصادية بل أصبحت تقاس بقدرتها على الصمود وسط الأزمات وبسرعة التكيف مع المتغيرات العالمية وبمدى امتلاكها لرؤية واضحة تستطيع من خلالها العبور من ضغوط الحاضر إلى فرص المستقبل. ومن هنا تبدو فكرة الجمهورية الاقتصادية الجديدة ليست مجرد شعار بل مشروعا متكاملا لإعادة بناء الدولة الحديثة على أسس أكثر قوة واستدامة.. العالم اليوم يعيش واحدة من أعقد المراحل الاقتصادية في تاريخه الحديث.. حروب ممتدة، اضطرابات في سلاسل الإمداد، موجات تضخم عالمية، تغيرات حادة في أسعار الطاقة والغذاء وتحولات تكنولوجية متسارعة تعيد تشكيل شكل الاقتصاد العالمي بالكامل. وفي قلب هذه العواصف لم يعد أمام الدول سوى خيارين: إما التكيف والانطلاق أو البقاء في دائرة التراجع والضغوط.. ومن هنا جاء التحرك المصري خلال السنوات الأخيرة لبناء بنية اقتصادية أكثر قدرة على التحمل وأكثر استعدادا للتعامل مع المستقبل.. فما يحدث على الأرض لم يعد مجرد تنفيذ مشروعات أو إقامة طرق ومدن جديدة بل هو محاولة لإعادة صياغة شكل الاقتصاد الوطني نفسه من اقتصاد يعتمد على الحلول المؤقتة والاستهلاك إلى اقتصاد يسعى للإنتاج والتصنيع والتصدير وجذب الاستثمار.. الجمهورية الاقتصادية الجديدة تبدأ أولا من فكرة بناء الدولة القادرة .. الدولة التي تمتلك بنية تحتية حديثة وشبكات طرق وموانئ وطاقة واتصالات ليست دولة تبحث عن المظهر بل دولة تضع الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه الصناعة والتجارة والاستثمار والتنمية لعقود طويلة. فالتنمية الحقيقية لا تُبنى بالعشوائية وإنما بالتخطيط طويل المدى.. كما أن أحد أهم ملامح هذه الجمهورية الجديدة هو التوسع في مفهوم الأمن الاقتصادي.. فالأمن لم يعد مرتبطا فقط بالحدود والسلاح بل أصبح مرتبطا أيضا بالغذاء والطاقة والدواء والتكنولوجيا. والدول التي لا تمتلك قدرة حقيقية على تأمين احتياجاتها الأساسية تظل دائما أكثر عرضة للضغوط الخارجية والتقلبات الدولية.. ولذلك أصبح تعميق التصنيع المحلي ضرورة لا رفاهية...فكل منتج يتم تصنيعه داخل الدولة لا يوفر فقط العملة الأجنبية بل يخلق فرص عمل، وينقل الخبرات، ويدعم الاقتصاد الوطني، ويقلل من هشاشة الاعتماد على الخارج. العالم كله عاد اليوم للحديث عن الصناعة والإنتاج بعد سنوات طويلة من الاعتماد المفرط على الاقتصاد الخدمي والاستهلاكي.
لكن بناء الجمهورية الاقتصادية الجديدة لا يتوقف عند المشروعات الكبرى فقط بل يرتبط أيضا ببناء الإنسان نفسه.
فالاقتصاد الحديث لم يعد قائمًا على الموارد وحدها، بل على المعرفة والكفاءة والقدرة على الابتكار. ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي يبدأ من التعليم والتدريب وتأهيل الشباب لسوق عمل يتغير بسرعة غير مسبوقة...كما أن نجاح أي مشروع اقتصادي يرتبط بوجود وعي مجتمعي يدرك حجم التحديات وطبيعة المرحلة.. فالإصلاحات الاقتصادية غالبا ما تكون صعبة ومكلفة في بدايتها لكنها تصبح أكثر تأثيرا عندما يدرك المجتمع أن الهدف ليس مجرد تجاوز أزمة مؤقتة بل بناء اقتصاد أكثر قدرة على حماية الأجيال القادمة...وفي ظل عالم يموج بالمنافسة الحادة أصبحت القدرة على جذب الاستثمار مرتبطة بالاستقرار السياسي والأمني ووضوح الرؤية الاقتصادية، ومرونة التشريعات، وسرعة اتخاذ القرار. فالمستثمر اليوم لا يبحث فقط عن سوق كبيرة بل يبحث عن بيئة مستقرة وقادرة على النمو...ورغم صعوبة الطريق فإن التجارب الكبرى في التاريخ تؤكد أن الدول التي نجحت في تحقيق نهضتها الاقتصادية لم تصل بسهولة بل دفعت أثمانا كبيرة من الصبر والعمل والتخطيط طويل النفس. فلا توجد دولة انتقلت من التحديات إلى القوة الاقتصادية بين ليلة وضحاها.. ويبقى التحدي الحقيقي أمام الجمهورية الاقتصادية الجديدة هو الحفاظ على التوازن بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.. فالنجاح الحقيقي لا يقاس فقط بحجم المشروعات أو معدلات النمو بل بمدى انعكاس ذلك على حياة المواطن اليومية وقدرته على الشعور بالأمان والاستقرار والأمل في المستقبل.. إن الطريق إلى الجمهورية الاقتصادية الجديدة ليس طريقا سهلا أو قصيرا لكنه طريق تفرضه طبيعة العصر وتحدياته.. والأمم التي تدرك مبكرا متطلبات المستقبل تكون أكثر قدرة على صناعة مكانها في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء… أقوياء الاقتصاد وأقوياء الوعي وأقوياء الإرادة.

شحاته زكريا الطريق إلى الجمهورية الاقتصادية الجديدة الجارديان المصريه