الأربعاء 15 يوليو 2026 06:26 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عمرو النعماني يكتب : دولة أصحاب النفوذ

الكاتب الكبير عمرو النعمانى
الكاتب الكبير عمرو النعمانى

أخطر ما يواجه الجهاز الإداري في مصر اليوم ليس نقص القوانين، ولا غياب الكفاءات، وإنما التدخل المستمر في عمل السلطة التنفيذية، حتى أصبح بعض نواب البرلمان يتعاملون مع المؤسسات الحكومية وكأنها جزء من نفوذهم الانتخابي، فيتدخلون في تعيين هذا وندب ذاك وترقية آخر، بل وفي الجزاءات والمكافآت، وكأن المسؤول التنفيذي لم يعد يملك قراره ، أين العدالة؟
كيف يجتهد موظف عشرين عاما، ثم تأتي ترقية أو مكافأة لغيره لأنه مدعوم من نائب؟ وكيف يُوقع جزاء على موظف، بينما يُرفع عن آخر لأنه يملك واسطة؟ أي رسالة نبعث بها إلى الموظف المجتهد؟ أن الإخلاص في العمل لا قيمة له وأن الواسطة والمحسوبية أصبحوا أقوى من الكفاءة؟

المحليات ليست إدارة عادية بل هي عصب الحياة في مصر ، فإذا فسد الاختيار داخل هذا الجهاز، فسيدفع المواطن الثمن قبل أي مسؤول ، المؤلم أن الكفاءات موجودة لكنها تُهمش، بينما يتصدر المشهد أشخاص لم يقدموا ما يؤهلهم للمسؤولية، إلا أنهم محسوبون على هذا النائب أو ذاك ، وهكذا تتحول الوظيفة العامة من أمانة إلى مكافأة

لم يتوقف التدخل عند التعيينات والندب والترقيات والمكافآت والجزاءات، بل امتد في بعض الأحيان إلى محاولة تمرير مخالفات يعاقب عليها القانون ، يتلقى المسؤول التنفيذي اتصالًا من نائب يقول فيه: "الشخص ده يهمني... خلّص له الموضوع." فإذا كان "الموضوع" مخالفة بناء أو تعديًا على أملاك الدولة أو مخالفة قانونية، فماذا يسمى هذا؟ أليس ضغطا على المسؤول؟ وكيف لمن أقسم على احترام الدستور والقانون، وجاء ليراقب الحكومة ويحاسبها، أن يطلب استثناء أحد من تطبيق القانون؟ فالنائب الذي يحمي المخالف، يضعف هيبة الدولة، ويهز ثقة المواطن في العدالة

لسنا ضد أن ينقل النائب شكوى مواطن، أو يتابع حقا تأخر أو يطالب بسرعة إنجاز خدمة مستحقة، فهذا واجب أصيل من واجباته ، لكن هناك فرقا شاسعا بين الدفاع عن حق وبين فرض موظف، أو التدخل في ترقية، أو إلغاء جزاء، أو منح مكافأة، أو الضغط لتمرير مخالفة

الدستور رسم حدودا واضحة بين السلطات، ولم يمنح عضو مجلس النواب حق إدارة الجهاز التنفيذي. مهمة النائب أن يشرع القوانين، ويراقب الحكومة، ويحاسب المقصر، لا أن يختار القيادات، أو يفرض الأسماء، أو يؤثر في قرارات يفترض أن تقوم على الكفاءة واللوائح وحدها.
ولا تكتمل الصورة من دون توجيه الحديث إلى بعض المسؤولين التنفيذيين. فالمنصب العام ليس ملكًا لصاحبه، ولا هدية يقدمها لإرضاء هذا أو ذاك. والمسؤول الذي يخضع للضغوط، ويجامل على حساب القانون، لا يقل مسؤولية عمن مارس عليه هذا الضغط. فالدولة لا تُدار بالمجاملات، وإنما تُدار بالقانون

اتركوا الجهاز الإداري يعمل وفق القانون، واتركوا المسؤول يختار الأكفأ ثم حاسبوه إذا أخطأ ، أما أن تتحول الوظيفة العامة إلى مكافأة والترقية إلى مجاملة ، فهذه ليست دولة مؤسسات بل دولة استثناءات ، مصر لا تحتاج إلى مزيد من أصحاب النفوذ بل تحتاج إلى مزيد من احترام القانون وعندما يصبح القانون هو صاحب الكلمة لا الواسطة ، سنعرف أن الدولة بدأت تسير في الطريق الصحيح ..

حفظ الله مصر جيشا وشعبا وقيادة

عمرو النعماني دولة أصحاب النفوذ الجارديان المصريه