السبت 1 أغسطس 2026 10:06 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتبة هدى حجاجى تكتب : ما بين الوعي واللاوعي... حين تخاف العقول من الحقيقة

الكاتبة هدى حجاجى
الكاتبة هدى حجاجى

لا تأتي الحقيقة دائمًا في هيئة صاعقة تهبط على رؤوسنا فجأة، بل كثيرًا ما تتسلل بهدوء إلى أرواحنا، وتستقر في زاوية معتمة من الوعي، تنتظر اللحظة التي نمتلك فيها الشجاعة الكافية للنظر إليها. فالمشكلة ليست في الحقيقة نفسها، وإنما في ذلك الصراع الخفي الذي يدور داخل الإنسان بين ما يعرفه يقينًا وما يرغب في تصديقه. وبين الوعي واللاوعي تمتد مساحات شاسعة من الخوف والرغبات والأوهام والتبريرات، وهناك تتشكل كثير من قناعاتنا، وتُبنى الجدران التي تحاصر الحقائق الواضحة وتمنعها من الظهور.

كم من إنسان يدرك أنه يسير في طريق لا يقوده إلى ما يتمنى، ومع ذلك يواصل السير فيه لأنه لا يملك شجاعة العودة؟ وكم من شخص يعلم أن بعض العلاقات انتهت منذ زمن، لكنه يتمسك ببقاياها خوفًا من مواجهة الفراغ؟ بل كم من مجتمعات بأكملها ترى أزماتها ماثلة أمام أعينها كل يوم، ثم تختار تجاهلها لأنها تخشى الاعتراف بحجمها الحقيقي؟

إن الحقيقة ليست مؤلمة دائمًا لأنها قاسية، بل لأنها كثيرًا ما تهدم الصورة التي صنعناها لأنفسنا أو للعالم من حولنا. فنحن لا نخاف الحقيقة بقدر ما نخاف نتائجها، نخاف أن تُسقط الأقنعة التي اعتدنا ارتداءها، وأن تفضح الأوهام التي احتمينا بها طويلًا، وأن تجبرنا على إعادة النظر في أفكارٍ ومواقف دافعنا عنها سنوات من أعمارنا.

ولهذا السبب تلجأ بعض العقول إلى حيل معقدة للهروب؛ فتختبئ خلف التبريرات، وتلوذ بالإنكار، وتعيد تفسير الوقائع بما يتناسب مع رغباتها، حتى يصبح الوهم أكثر راحة من الحقيقة، وتغدو الأكذوبة التي نحبها أقرب إلى قلوبنا من الصدق الذي يوقظنا من سباتنا الطويل.

ومن خلال التأمل في أحوال البشر، يبدو واضحًا أن أكثر السجون قسوة ليست تلك التي تُبنى من الحجر والحديد، بل تلك التي تبنيها العقول داخلها. سجون من أفكار جامدة، ومخاوف متوارثة، وأحكام مسبقة، يعيش الإنسان داخلها سنوات طويلة وهو يظن أنه حر، بينما هو في الحقيقة أسير لما يخشى مواجهته أو الاعتراف به.

ومع ذلك، تظل الحقيقة تملك قدرة مدهشة على البقاء. قد تتوارى خلف الضباب، وقد تُشوَّه، وقد تُحاصر بالصخب والضجيج، لكنها لا تختفي. تبقى كامنة في مكان ما من الروح، مثل جمرة صغيرة تحت الرماد، وكلما مر الزمن ازداد وهجها، حتى تأتي اللحظة التي لا يعود فيها الهروب ممكنًا، فيجد الإنسان نفسه واقفًا أمام ذاته مجردًا من الأعذار.

وهنا تبدأ المواجهة الحقيقية؛ ليست مواجهة مع الآخرين، ولا مع الظروف، بل مع النفس ذاتها، مع ذلك الصوت الداخلي الذي ظل يهمس طويلًا بما لا نريد سماعه. وربما كانت هذه هي أصعب معارك العمر، لأن الانتصار على الآخرين قد يمنحنا مجدًا مؤقتًا، أما الانتصار على أوهامنا فيمنحنا حرية حقيقية لا تُقدَّر بثمن.

فالحرية لا تبدأ حين نغير العالم من حولنا، بل حين نمتلك الجرأة الكافية لرؤية الحقيقة كما هي، لا كما نحب أن تكون. وما بين الوعي واللاوعي تعيش حقائق كثيرة مؤجلة، لكن الحقيقة، مهما طال غيابها، تعرف دائمًا طريقها إلى النور.

الكاتبة هدى حجاجى ما بين الوعي واللاوعي... حين تخاف العقول من الحقيقة الجارديان المصريه