الجمعة 7 أغسطس 2026 03:56 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. محمد هناء الدين يكتب: النفوس المريضة

الكاتب والفنان الكبير د. محمد هناء الدين
الكاتب والفنان الكبير د. محمد هناء الدين

في أعماق كل إنسان عالم خفي لا تراه العيون، عالم تتراكم فيه المشاعر والأفكار والذكريات، وتتشكل فيه ملامح الشخصية على مهل. هذا العالم هو النفس، وهي قد تكون ساحةللنور والسكينة، وقد تتحول إلى مستنقع مظلم ينمو فيه المرض بصمت. النفوس المريضة ليست مجرد اضطراب يشخص في عيادة، بل هي حالة أعمق وأكثر تعقيداحالة تتسلل إلى الوجدان فتشوه الرؤية، وتفسد العلاقات، وتحول الحياة إلى سلسلة من الصراعات الخفية.
تبدأ قصة النفس المريضة غالبا من جرحٍ قديم لم يداو. طفولة قاسية، أو إهمال عاطفي، أو بيئة تغذي المقارنة والحقد بدل المحبة والتعاون، كلها بذور قد تنمو مع الوقت إذا لم تقابل بالمعالجة والوعي. ثم تأتي الاختيارات اليومية لتغذي هذا المرض اختيار الحسد على الرضا، واختيار الانتقام على العفو، واختيار الكذب على الصدق. ومع تكرار هذه الاختيارات تتصلب النفس، ويصبح الخبث عادة، والحقد رفيقا دائما، والنرجسية درعا يحمي صاحبه من مواجهة ضعفه.
تتجلى أعراض هذه النفوس في صور متعددة. منها الحسد الذي لا يهدأ، فيرى صاحبه نجاح الآخرين طعنة في صدره، فيسعى لتحطيمه بدل أن يبني ذاته. ومنها النرجسية التي تجعل الإنسان مركز الكون، فيستخدم الناس كأدوات ثم يلقي بهم حين ينتهي غرضه. ومنها التلاعب والخداع، حيث تتقن النفس المريضة فن التظاهر بالبراءة وهي تخفي السم في الكلام والنوايا. ومنها الإسقاط، فتلقي بعيوبها على الآخرين وتتهمهم بما هي عليه في الحقيقة. والأشد خطورة أن يجد بعض أصحاب هذه النفوس لذة خفية في إيذاء غيرهم، كأن الألم الذي يسببونه يسكن جرحا داخليا لم يستطيعوا مواجهته.
والنتيجة أن النفس المريضة لا تؤذي صاحبها وحده، بل تمتد آثارها إلى كل من يحيط بها. الأسرة تفقد دفئها، والصداقات تتحول إلى حقول ألغام، وبيئة العمل تصبح ساحة للصراعات الصغيرة التي تنهك الجميع. وعلى المستوى الأوسع، حين تكثر هذه النفوس في مجتمع ما، يضعف الثقة بين الناس، ويصعب التعاون، ويهدر الجهد في الدفاع عن النفس بدل البناء والإبداع. يصبح المجتمع كالجسد الذي ينزف من الداخل دون أن يظهر الجرح للعيان.
ومع ذلك، ليست النفوس المريضة قدرا محتوما لا مفر منه. الشفاء ممكن، لكنه يتطلب شجاعة نادرةشجاعة الاعتراف. أن ينظر الإنسان إلى داخله بصدق، ويعترف بما فيه من ظلام دون تبرير أو إنكار. ثم يبدأ رحلة طويلة من المراجعة والتصحيح، يستبدل فيها الحقد بالرحمة، والحسد بالقناعة، والكذب بالصدق. وقد يحتاج في بعض الحالات إلى مساعدة متخصص يرشده إلى جذور الألم ويعينه على معالجته. والأهم من ذلك كله أن يختار يوميا أن يغذي الجانب السليم في نفسه، حتى لو كان الطريق شاقا في البداية.
لقد أدركت الحكمة الإنسانية منذ القدم أن سلامة النفس أساس كل صلاح. فالقلب السليم هو الذي ينجو بصاحبه، والنفس المطمئنة هي التي تجد الراحة الحقيقية. أما النفس المريضة فتظل أسيرة توترها وأحقادها، تفقد السلام الداخلي، وتفرغ حياتها من المعنى. والفرق بين الاثنين لا يكمن في الظروف الخارجية بقدر ما يكمن في الاختيارات الداخلية التي يكررها الإنسان كل يوم.
في النهاية، كل واحد منا يحمل في داخله بذور الصحة والمرض معا. والسؤال الذي يواجهه كل إنسان هوأي البذور سيسقي؟ هل يختار أن يطعم ظلامه فيكبر، أم يسعى إلى نور يبدد العتمة؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد مصير الفرد وحده، بل تساهم في تشكيل المجتمع الذي نعيش فيه جميعا. فالنفس الصحيحة نور ينعكس على من حولها، والنفس المريضة ظلمةتنتشر إن لم تعالج. والاختيار يبدأ من هنا، من داخل كل واحد منا.

د. محمد هناء الدين النفوس المريضة الجارديان المصريه