حسين السمنودى يكتب: كم أنت قاسية أيتها العبارة «أنا بخير».. حكايات لا يعرفها أحد
«أنا بخير»...
هذه الكلمات تبدو عادية جدًا، نقولها كل يوم دون أن نتوقف كثيرًا أمام معناها، نسأل بها الآخرين ويجيبون بها علينا، ثم نكمل حديثنا وكأننا أدينا واجبًا اجتماعيًا صغيرًا وانتهى الأمر.
لكن الحقيقة أن هذه الكلمات قد تكون أحيانًا أكبر كذبة يقولها الإنسان وهو يعرف تمامًا أنها كذبة، ومع ذلك يكررها، ليس لأنه يريد خداع الآخرين، وإنما لأنه لا يعرف كيف يشرح لهم كل ما يحدث داخله.
«أنا بخير» قد تعني في الحقيقة: أنا متعب، لكن لا أريد أن أشرح.
وقد تعني: أنا موجوع، لكنني لا أريد أن أبدو ضعيفًا.
وقد تعني: هناك أشياء كثيرة حدثت لي، ولا أعرف من أين أبدأ.
وقد تعني ببساطة: أرجوك لا تسألني مرة أخرى، لأنني إذا بدأت في الكلام ربما لن أستطيع التوقف.
نحن نعيش في زمن أصبح فيه الإنسان محترفًا في إخفاء ألمه.
يضحك وهو مكسور.
يمزح وهو مثقل.
يتحدث مع الجميع وهو عاجز عن الحديث مع نفسه.
يذهب إلى عمله في موعده، يؤدي مسؤولياته، يشتري احتياجات بيته، يرد على الهاتف، يشارك الناس مناسباتهم، يبتسم أمام الكاميرا، وينشر صورة تبدو فيها الحياة جميلة، ثم يعود في نهاية اليوم إلى غرفته، يغلق الباب، ويجلس وحيدًا أمام أفكاره.
هناك، بعيدًا عن أعين الناس، تسقط كل الأقنعة.
هناك لا يعود مضطرًا لأن يقول «أنا بخير».
هناك يستطيع أن يكون هو نفسه.
إنسانًا مرهقًا، خائفًا، حزينًا، مشتاقًا، غاضبًا، محبطًا، أو حتى عاجزًا عن فهم ما الذي حدث له.
المشكلة أننا اعتدنا أن نربط القوة بعدم الشكوى.
وكأن الإنسان القوي هو الذي لا يبكي.
وكأن الذي يعترف بتعبه ضعيف.
وكأن طلب المساعدة عيب.
وكأن الحديث عن الألم نوع من الدلال.
ولهذا تعلم كثيرون أن يصمتوا.
تعلموا أن يدفنوا أحزانهم في أعماقهم، وأن يتعاملوا مع وجعهم بمفردهم، وأن يبتسموا حتى لا يفتح أحد معهم حديثًا طويلًا.
تعلموا أن يقولوا «أنا بخير» بسرعة، ثم يغيروا الموضوع.
وربما لا نعرف أن وراء هذه السرعة خوفًا كبيرًا من السؤال التالي: «طيب إيه اللي مضايقك؟»
لأن هذا السؤال بالذات قد يكون أخطر سؤال يمكن أن توجهه إلى شخص يحمل فوق قلبه أشياء كثيرة.
قد يبدأ في الحديث عن مشكلة واحدة، فتخرج خلفها عشرات المشاكل.
يتحدث عن شخص خذله، فتظهر خلف الخذلان سنوات من الخيبات.
يتحدث عن ضيق المال، فتكتشف أنه يحمل فوق كتفيه مسؤولية بيت كامل.
يتحدث عن الوحدة، فتكتشف أنه محاط بعشرات الأشخاص لكنه لا يجد شخصًا واحدًا يشعر به.
يتحدث عن الإرهاق، فتكتشف أنه لم ينم ليلة واحدة مرتاح القلب منذ فترة طويلة.
ولهذا فإن بعض الناس لا يريدون أن يتحدثوا.
ليس لأنهم لا يحتاجون إلى الكلام، وإنما لأنهم يعرفون جيدًا أن الكلام إذا بدأ فلن يكون من السهل إيقافه.
هناك أشخاص أصبحوا خبراء في إخفاء دموعهم.
إذا شعروا أن أعينهم ستفضحهم، ينظرون إلى مكان آخر.
إذا ضاق صدرهم، يخرجون من المكان.
إذا اقترب أحدهم من سؤال حساس، يضحكون ويطلقون نكتة.
وإذا سألهم أحد: «مالك؟»
تأتي الإجابة الجاهزة:
«ولا حاجة... أنا بخير».
يا لها من جملة قصيرة، ويا لكمية الأشياء التي يمكن أن تختبئ خلفها.
قد تختبئ خلفها أم فقدت ابنها وتتعلم كل يوم كيف تعيش من دونه.
وقد يختبئ خلفها أب أنهكته المسؤوليات لكنه لا يستطيع أن يقول لأسرته إنه لم يعد يحتمل.
وقد يختبئ خلفها شاب يحمل أحلامًا كثيرة، لكنه اصطدم بواقع أقسى من أحلامه.
وقد تختبئ خلفها فتاة تخاف من المستقبل، ولا تجد شخصًا تثق به بما يكفي لتقول له كل ما في قلبها.
وقد يختبئ خلفها شخص فقد عمله، أو خسر ماله، أو تعرض للخذلان، أو عاش تجربة جعلته لا يثق في أحد.
وقد يختبئ خلفها إنسان لا يعرف حتى لماذا يشعر بالحزن.
وهذه من أصعب الحالات؛ أن تشعر أنك لست بخير دون أن تستطيع تحديد السبب.
أن تستيقظ صباحًا ولا تكون لديك رغبة في شيء.
أن تفعل الأشياء التي كنت تحبها فلا تشعر تجاهها بشيء.
أن تجلس وسط الناس وتشعر أنك بعيد عنهم آلاف الأميال.
أن تنظر إلى هاتفك عشرات المرات، ليس لأنك تنتظر مكالمة بعينها، وإنما لأنك تتمنى أن تجد شخصًا يسأل عنك بصدق.
وهنا تظهر مأساة أخرى من مآسي هذا الزمن.
لقد أصبحنا كثيرين على مواقع التواصل، وقليلين في الحقيقة.
لدينا مئات الأصدقاء، لكن عندما تضيق بنا الدنيا قد لا نجد واحدًا نذهب إليه.
لدينا عشرات الأرقام في الهاتف، لكننا أحيانًا لا نعرف من نتصل به عندما نحتاج إلى كلمة طيبة.
نتابع أخبار بعضنا يوميًا، ونضع الإعجابات والقلوب والتعليقات، لكننا لا نعرف ماذا يحدث في القلوب فعلًا.
قد ترى شخصًا يكتب: «الحمد لله على كل شيء»، وتظنه سعيدًا، بينما هو يحاول أن يقنع نفسه قبل أن يقنع الآخرين بأن الحياة ما زالت تستحق أن تُعاش.
وقد ترى شخصًا يضحك طوال الوقت، بينما أكثر ما يتمناه في تلك اللحظة أن يجلس وحده ويبكي.
وقد ترى شخصًا يساعد الجميع، بينما هو نفسه يحتاج إلى من يساعده.
وقد ترى إنسانًا يقف بجوار كل الناس في أزماتهم، بينما لا يجد أحدًا يقف بجواره عندما تأتي أزمته.
وهنا يجب أن نفهم شيئًا مهمًا:
ليس كل شخص صامت مرتاحًا.
وليس كل شخص مبتسم سعيدًا.
وليس كل شخص مشغول قويًا.
وليس كل شخص يقول «أنا بخير» بخير فعلًا.
أحيانًا تكون «أنا بخير» مجرد طريقة محترمة جدًا لقول:
«دعني وشأني، فأنا لا أملك طاقة للشرح».
وأحيانًا تكون:
«أتمنى أن تصر على سؤالي مرة أخرى».
وهناك فرق كبير بين الاثنين.
الإنسان الذي يحتاج إلى المساعدة لا يطلبها دائمًا بشكل مباشر.
قد يتغير أسلوبه.
قد يقل كلامه.
قد ينعزل.
قد يصبح سريع الغضب.
قد يضحك بطريقة مبالغ فيها.
قد يعمل أكثر من اللازم.
وقد ينام كثيرًا أو لا ينام إلا قليلًا.
وقد يقول إنه بخير عشر مرات في اليوم.
فلا تحكم عليه من كلماته فقط.
أحيانًا اقرأ الإنسان من تصرفاته.
اسأل عنه، لكن لا تسأله سؤالًا عابرًا وأنت تنظر إلى هاتفك.
اسأله وأنت مستعد لسماع الإجابة.
قل له: «أنا حاسس إن في حاجة مضايقاك».
وإذا قال لك «مفيش»، لا تلاحقه بالأسئلة.
قل فقط: «تمام، بس لو احتجتني أنا موجود».
قد تبدو هذه الجملة بسيطة، لكنها بالنسبة لإنسان وحيد قد تكون طوق نجاة.
لأن معرفة أن هناك شخصًا واحدًا على الأقل يمكن اللجوء إليه، تمنح الإنسان قدرًا كبيرًا من الأمان.
ولا تجعل كل شخص يحكي لك مشكلته تشعره أنك تملك الحل.
أحيانًا هو لا يريد حلًا.
يريد فقط أن يسمعه أحد.
يريد أن يقول ما بداخله دون أن يتعرض للمحاكمة.
يريد أن يبكي دون أن يسمع: «عيب عليك».
يريد أن يقول إنه خائف دون أن يسمع: «أنت رجل، ما تخافش».
يريد أن يقول إنه تعب دون أن يسمع: «كل الناس تعبانة».
لأن مقارنة الأحزان لا تجعلها تختفي.
عندما تقول لشخص متألم: «غيرك عنده مشاكل أكبر»، فأنت لا تخفف ألمه، بل تجعله يشعر أنه حتى في حزنه غير مسموح له أن يكون ضعيفًا.
لكل إنسان طاقته.
ولكل قلب قدرته على التحمل.
وما قد يبدو بسيطًا بالنسبة لك ربما يكون هو القشة الأخيرة بالنسبة لشخص آخر.
لذلك كن رحيمًا.
فأنت لا تعرف المعركة التي يخوضها الإنسان الذي أمامك.
ربما تراه عاديًا لأنه بذل كل ما يستطيع حتى يبدو عاديًا.
وربما ابتسامته التي تراها هي آخر ما تبقى لديه من قدرة على المقاومة.
وربما جملة «أنا بخير» التي قالها لك اليوم ليست دليلًا على أنه بخير، وإنما دليل على أنه ما زال يحاول.
يحاول أن يستمر.
يحاول أن يتحمل.
يحاول أن ينهض كل صباح.
يحاول أن يفي بالتزاماته.
يحاول ألا ينهار أمام أولاده.
يحاول ألا يشعر من حوله بالخوف.
يحاول أن يقنع نفسه بأن الغد سيكون أفضل.
وربما يكون كل ما يحتاجه هو قليل من الرحمة.
قليل من الاحتواء.
قليل من الصدق.
إنسان لا يطالبه بأن يكون قويًا طوال الوقت.
إنسان يقول له:
«لو مش بخير، عادي».
«لو تعبت، اتكلم».
«لو مش قادر، أنا جنبك».
«لو محتاج تسكت، هسكت معاك».
هذه الكلمات قد تكون أثمن من ألف نصيحة.
وفي النهاية، علينا جميعًا أن نتذكر أننا بشر.
لسنا آلات تعمل بلا توقف.
ولسنا مطالبين بأن نكون أقوياء في كل لحظة.
سنضعف أحيانًا.
سنحزن.
سنخاف.
سنفقد.
سنشتاق.
سنخطئ.
وسنحتاج إلى من يمد لنا يده.
وهذا ليس عيبًا.
فالإنسان الذي يعترف بأنه متعب ليس إنسانًا ضعيفًا، بل إنسان صادق مع نفسه.
وإذا قال لك أحدهم «أنا بخير»، فلا تكتفِ بالكلمة وحدها.
ربما تكون حقيقية.
وربما تكون نصف الحقيقة.
وربما تكون أكبر كذبة اضطر إلى قولها حتى يمر يومه بسلام.
فخلف كلمة «أنا بخير» أحيانًا أبعد مما نتخيل.
خلفها قلب يحاول ألا ينكسر.
وخلفها روح تبحث عن الأمان.
وخلفها إنسان يتمنى أن يفهمه أحد دون أن يضطر إلى شرح كل شيء.
لذلك، لا تكن عابرًا في حياة من حولك.
لا تسأل فقط لتسمع الإجابة.
اسأل لأنك مستعد للبقاء.
ولا تستهين بصديق أصبح صامتًا، أو قريب تغيرت ملامحه، أو شخص اعتاد أن يضحك ثم أصبح يبتسم فقط.
اقتربوا من بعضكم أكثر.
سامحوا بعضكم.
اسألوا عن بعضكم.
فالحياة أقصر مما نعتقد، والناس يرحلون فجأة، وأحيانًا نكتشف بعد فوات الأوان أننا كنا نستطيع أن نفعل شيئًا صغيرًا جدًا، لكنه ربما كان سيصنع فرقًا كبيرًا في حياة إنسان.
ربما مكالمة.
ربما زيارة.
ربما كلمة.
ربما حضن.
ربما مجرد أن تقول له:
«أنا مش هسألك أنت بخير ولا لأ... أنا بس حابب أقول لك إني جنبك.»
فربما كانت هذه الجملة تحديدًا هي الشيء الذي كان ينتظره منذ زمن.
أما أنت...
فإذا كنت تقول للناس كل يوم «أنا بخير» بينما بداخلك شيء آخر، فتذكر أنك لست مضطرًا إلى حمل العالم كله وحدك.
من حقك أن تتعب.
من حقك أن تبكي.
من حقك أن تقول «مش قادر».
ومن حقك أن تبحث عن يد تمسك بيدك عندما تتعب من المقاومة.
ولا تخجل من مشاعرك.
فالقلوب لا تُقاس بقدرتها على عدم الانكسار، وإنما بقدرتها على النهوض بعد كل انكسار.
وربما يأتي يوم تنظر فيه إلى كل ما أوجعك الآن، فتبتسم لأنك تجاوزته.
وربما تكتشف أن كل تلك الأيام التي قلت فيها «أنا بخير» وأنت لست بخير، كانت مجرد مرحلة في طريق طويل إلى أن تصبح بخير فعلًا.
وعندما تصل إلى تلك اللحظة...
لا تقل «أنا بخير» مجاملة هذه المرة.
قلها لأنك فعلًا أصبحت بخير.
لأن قلبك تصالح.
وروحك هدأت.
وأيامك أصبحت أخف.
وعندها فقط ستكون الكلمات الثلاث حقيقية تمامًا:
أنا بخير.












انتشال جثة غريق في منطقة نكلا بمنشأة القناطر
اليوم.. محكمة الجنايات تستكمل محاكمة المتهمة بقتل عروس بورسعيد
اليوم .. محاكمة 39 متهمًا بقضية الهيكل الإداري للإخوان
تجديد حبس عامل 15 يومًا لاتهامه بقتل زوجته طعنًا داخل مسكنهما بشبرا...
سعر الذهب اليوم في محلات الصاغة....عيار 21 يكسر 6000 جنيه
أسعار الدولار اليوم السبت 8-8-2026..
اسعار الذهب اليوم السبت 8 أغسطس 2026 فى محلات الصاغة
السيطرة على حريق نشب داخل مسجد في الجيزة