الأحد 9 أغسطس 2026 10:09 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. نها محمد راشد تكتب : الداية لازم ترجع... ولكن بثوب جديد

د. نها محمد راشد
د. نها محمد راشد

زمان كانت «الداية» جزءًا أساسيًا من حياة كل أسرة. كانت قريبة من البيت، تعرف الأم، وتتابعها قبل الولادة وأثناءها وبعدها، وتظل بجوارها في اللحظات التي تحتاج فيها إلى من يطمئنها ويساعدها.
لكن الزمن تغيّر، والطب تطور، والتعليم تطور، والتمريض نفسه لم يعد كما كان.
فهل آن الأوان أن تعود «الداية»؟
نعم... ولكن ليس بالمعنى القديم.
أنا أقصد أن تعود القبالة والتمريض المتخصص في رعاية الأم والطفل، ولكن بعلم حديث، وتأهيل جامعي، وتدريب متخصص، ونظام مهني واضح، وتحت مظلة صحية منظمة.
فالممرض والممرضة اليوم حاصلان على تعليم جامعي، ويدرس طلاب التمريض علوم التشريح والفسيولوجي وعلم الأدوية ومكافحة العدوى والتعقيم، كما يدرسون مقررات متخصصة في صحة المرأة والنساء والتوليد ورعاية حديثي الولادة، ثم يستطيع المتخصص أن يستكمل دراساته العليا حتى الماجستير والدكتوراه، ويصل إلى الأستاذية ويشارك في إجراء الأبحاث العلمية.
إذن نحن أمام كوادر علمية مؤهلة يمكن أن يكون لها دور أكبر بكثير في منظومة رعاية الأم والطفل.
والأمر لا يتوقف عند النساء والتوليد.
لدينا أيضًا تمريض متخصص في الأطفال، يستطيع استكمال الدراسات العليا والترقي الأكاديمي حتى درجة الأستاذية، ويملك المعرفة العلمية اللازمة للتعامل مع الأطفال ومراحل نموهم ومشكلاتهم الصحية.
فلماذا لا نستفيد من هذه الطاقات بالشكل الصحيح؟
أين ذهبت القابلة؟
المشكلة الحقيقية أن الفراغ الذي تركته «الداية» لم يُملأ بشكل كافٍ بمنظومة حديثة للقبالة والولادة الطبيعية تكون متاحة للأم وقريبة منها وعلى مدار الساعة.
وأصبحت كثير من الأسر أمام خيار يبدو أحيانًا وكأنه محصور بين الذهاب إلى مستشفى خاص وتحمل تكاليف مرتفعة، أو الانتظار حتى يصل الطبيب.
وفي النهاية، الولادة لا تنتظر أحدًا!
الأم قد تدخل في مرحلة الولادة في المنزل، أو في الطريق، أو داخل سيارة، أو حتى على باب المستشفى، لأن الطبيعة لا تلتزم بمواعيد العيادات ولا بمواعيد الأطباء.
والسؤال هنا:
هل من المنطقي أن تكون لدينا كوادر تمريضية مؤهلة، ثم لا نستخدمها في المكان الذي يمكن أن تقدم فيه خدمة حقيقية للمجتمع؟
الولادة الطبيعية ليست تجارة
الولادة الطبيعية في الأصل عملية فسيولوجية، تحتاج إلى متابعة دقيقة، ورعاية مستمرة، ودعم نفسي، واكتشاف مبكر لأي علامة خطر تستدعي تدخل الطبيب.
لكن عندما تتحول الولادة إلى خدمة تجارية مرتفعة التكلفة، يصبح السؤال عن صحة الأم والطفل في بعض الأحيان مختلطًا بسؤال آخر: كم ستدفع الأسرة؟
والأخطر من ذلك هو أن تتحول الولادة القيصرية من إجراء طبي له دواعيه إلى خيار أسرع وأسهل عندما لا يكون هناك وقت أو رغبة في الانتظار حتى تبدأ الولادة الطبيعية وتكتمل مراحلها.
أنا هنا لا أهاجم القيصرية؛ فالقيصرية قد تكون ضرورة تنقذ حياة الأم أو الطفل عندما توجد دواعي طبية حقيقية.
لكن في المقابل، لا يجب أن تتحول الولادة الطبيعية نفسها إلى مصدر خوف للأم او استغلالها.
لا يجوز أن تدخل المرأة غرفة الولادة وهي تحمل في رأسها صورة مرعبة عن الولادة الطبيعية، أو تشعر أن جسدها غير قادر على القيام بما خُلق للقيام به، أو أن الطريق الآمن الوحيد هو العملية القيصرية كما تم تزيف هذه الحقائق لكسب الربح والطريق السهل.
الأم تحتاج إلى معلومة صحيحة، ودعم نفسي، ومتابعة مهنية، واحترام لقرارها، وتدخل طبي عندما تكون هناك حاجة حقيقية إليه.
الحل ليس في الماضي... بل في المستقبل
نحن لا نطالب بعودة «الداية» القديمة.
نحن نطالب بعودة القبالة الحديثة.
نريد نظامًا واضحًا يسمح للكوادر المؤهلة والمدربة في مجال القبالة ورعاية الأم والطفل بأن تعمل وفق معايير علمية وبروتوكولات واضحة، مع وجود الطبيب المتخصص للتعامل مع الحالات التي تحتاج إلى تدخل طبي.
ونحتاج إلى إعادة تفعيل وتطوير مراكز الأمومة والطفولة لتكون قريبة من المواطنين، ومجهزة، ويعمل بها التمريض المتخصص على مدار 24 ساعة لاستقبال ومتابعة حالات الولادة الطبيعية منخفضة الخطورة، مع نظام إحالة سريع للمستشفيات في الحالات التي تستدعي تدخلًا طبيًا.
بهذا الشكل، لا ننافس الطبيب...
بل نكمل دوره.
فالطبيب يجب أن يكون موجودًا عندما تحتاج الحالة إلى الطبيب، والممرض المتخصص والقابلة يجب أن يكونا موجودين عندما تحتاج الأم إلى المتابعة المستمرة والدعم والرعاية أثناء الولادة الطبيعية.
وهذا هو مفهوم الفريق الصحي الحقيقي.
نحتاج إلى قرار... لا إلى شعارات
إذا كنا جادين في تحسين صحة الأم والطفل، فعلينا أن نبدأ بخطوات عملية:
وضع إطار واضح لتخصص القبالة والتمريض المتخصص في صحة المرأة والولادة.
تدريب وتأهيل كوادر تمريضية وفق معايير علمية ومهنية واضحة.
إعادة تطوير وتشغيل مراكز الأمومة والطفولة.
توفير خدمات الولادة الطبيعية الآمنة على مدار الساعة.
وضع نظام إحالة واضح وسريع بين القابلة والطبيب والمستشفى.
نشر الوعي بين السيدات بحقوقهن وخيارات الولادة ومتى تكون القيصرية ضرورة طبية.
دعم البحث العلمي في مجال القبالة والولادة الطبيعية وصحة الأم والطفل.
والأهم: أن تصبح رعاية الأم والطفل خدمة صحية، وليست مجرد سلعة تجارية.
لقد تطور التمريض كثيرًا، ولم يعد من المنطقي أن ننظر إليه باعتباره مجرد مهنة مساعدة.
لدينا ممرضون ومتخصصون حاصلون على الماجستير والدكتوراه، وأساتذة في مختلف تخصصات التمريض، وباحثون يشاركون في إنتاج المعرفة العلمية.
فلماذا لا نستخدم كل هذا التطور لخدمة المجتمع؟
ربما حان الوقت لكي نعيد النظر في منظومة الولادة بأكملها.
ليس لكي نعيد «الداية» القديمة...
ولكن لكي نصنع داية القرن الحادي والعشرين: قابلة متعلمة، مؤهلة، مدربة، مرخصة، تعمل وفق العلم والقانون، وتعرف متى تكمل دورها ومتى تستدعي الطبيب.
فالولادة ليست معركة بين الطبيب والتمريض.
الولادة مسؤولية مشتركة... والأم ليست فاتورة.
وإذا كنا نريد أمًا أكثر أمانًا، وطفلًا أكثر صحة، وأسرة أقل عبئًا، فعلينا أن نعيد للولادة الطبيعية مكانها، وللتمريض المتخصص دوره، ولمراكز الأمومة والطفولة وظيفتها.
الداية لازم ترجع...
لكن هذه المرة، معها بكالوريوس وماجستير ودكتوراه وعلم وتعقيم وبروتوكولات وأبحاث!

د. نها محمد راشد الداية لازم ترجع... ولكن بثوب جديد الجارديان المصريه