حسين السمنودى يكتب: طائرات معادية صهيونية فوق الخليج.. اتفاق مكة أمام أول اختبار حقيقي
لم تعد سماء الخليج العربي مجرد فضاء مفتوح للطائرات المدنية والتجارية،
ولم يعد صوت الطائرة في سماء المدن الخليجية يعني دائمًا رحلة قادمة،
ففي زمن الحرب، أصبحت السماء نفسها جبهة، وأصبح الرادار جزءًا من
الحياة اليومية، وأصبحت الصواريخ والمسيّرات رسائل سياسية مكتوبة بالنار.
الخليج اليوم يقف فوق برميل من التوتر، لا أحد يعرف متى ينفجر،
ولا أحد يستطيع أن يضمن أن الضربة القادمة ستبقى محدودة في مكانها،
ولا أن الصاروخ الذي ينطلق باتجاه هدف عسكري لن يسقط فوق منشأة مدنية،
ولا أن المسيّرة التي تعبر الحدود ستتوقف قبل أن تصل إلى هدفها.
وهنا لا يمكن النظر إلى المشهد باعتباره حربًا بين طرفين فقط،
فالحرب الدائرة الآن تجاوزت حدود الجبهات التقليدية، وأصبحت المنطقة
كلها تدفع ثمنها، وأصبح الخليج العربي تحديدًا في قلب المعادلة،
بما يملكه من نفط وغاز وموانئ وممرات بحرية وقواعد عسكرية ضخمة.
المشكلة أن الخليج لم يعد يواجه تهديدًا واحدًا، بل شبكة تهديدات،
صواريخ باليستية، وطائرات مسيرة، وهجمات بحرية، وحرب إلكترونية،
وضغوط سياسية واقتصادية، ورسائل عسكرية تتغير كل ساعة تقريبًا،
وكل ذلك يحدث في منطقة لا تحتمل خطأً عسكريًا واحدًا كبيرًا.
وفي وسط هذا المشهد الساخن، خرج اتفاق مكة للدفاع المشترك بين
السعودية وتركيا وباكستان، ليقدم نفسه باعتباره خطوة جديدة
نحو بناء مظلة أمنية إقليمية، تقوم على فكرة واضحة ومباشرة:
إذا تعرضت دولة لاعتداء، فإن الاعتداء يُعامل باعتباره اعتداءً على الجميع.
على الورق تبدو الفكرة قوية.
السعودية تملك الوزن الاقتصادي والسياسي والجغرافي الكبير،
وتركيا تملك جيشًا ضخمًا وخبرة عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة،
وباكستان تملك جيشًا كبيرًا وخبرة عسكرية وردعًا استراتيجيًا،
وبالتالي فإن اجتماع هذه القدرات الثلاث ليس أمرًا عابرًا.
لكن السياسة لا تُقاس بما يُكتب في البيانات وحدها.
والتحالفات لا تُقاس بعدد الكلمات التي تتضمنها الاتفاقيات.
القوة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الكلمات إلى أفعال.
وهنا تحديدًا يبدأ السؤال الأصعب:
ماذا أضاف اتفاق مكة إلى أمن الخليج حتى الآن؟
هل أضاف مظلة ردع حقيقية؟
هل أضاف آلية فورية للرد على الهجمات؟
هل أصبح هناك مركز قيادة مشترك قادر على اتخاذ قرار سريع؟
هل تغيرت قواعد الاشتباك؟
هل يعرف الطرف الذي يهدد الخليج أن أي ضربة ستقابَل برد جماعي؟
أم أن الاتفاق ما زال في مرحلة التأسيس السياسي، بينما الصواريخ والمسيّرات
لا تنتظر اكتمال اللجان والاجتماعات والهيئات والآليات التنفيذية؟
هذه الأسئلة ليست انتقاصًا من الاتفاق، بل هي جوهر الاختبار.
فالتحالف الذي يولد في لحظة حرب لا يستطيع أن يطلب من الناس الانتظار
حتى تكتمل أوراقه، بينما الطائرات المعادية لا تنتظر توقيع المحاضر،
والصواريخ لا تسأل عن موعد الاجتماع الأول للجان العسكرية المشتركة.
والأكثر إثارة للقلق أن أول اختبار جاء سريعًا جدًا.
فبعد يومين فقط من توقيع اتفاق مكة، أعلنت جماعة الحوثي مسؤوليتها
عن هجوم بطائرة مسيّرة استهدف منشأة تابعة لأرامكو في جازان،
وسط تصاعد التوتر الإقليمي المرتبط بالحرب الجارية.
وهنا يصبح السؤال أكثر حدة:
إذا كان الهجوم على السعودية بعد توقيع الاتفاق مباشرة،
فما هي الرسالة التي يجب أن يبعثها التحالف الجديد؟
هل ستكون الرسالة سياسية فقط؟
أم ستتحول إلى موقف عملي؟
هل سيظل مفهوم "الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع" شعارًا سياسيًا،
أم سيصبح قاعدة فعلية يعرفها كل من يفكر في إطلاق صاروخ أو مسيّرة؟
هذه هي اللحظة التي ينتظر فيها الجميع الإجابة.
وليس المقصود هنا الدعوة إلى حرب جديدة.
على العكس تمامًا.
القوة الحقيقية لأي تحالف دفاعي ليست في أن يشعل الحرب،
بل في أن يجعل خصمه يفكر ألف مرة قبل أن يبدأها.
فالردع الناجح هو الذي يمنع الضربة قبل حدوثها.
والتحالف الناجح هو الذي يجعل تكلفة الاعتداء مرتفعة،
بحيث يصبح التفكير في الاعتداء نفسه مخاطرة لا يستطيع الخصم تحملها.
أما إذا ظلت الاعتداءات مستمرة دون أن يرى الشارع العربي أثرًا حقيقيًا
للاتفاق، فإن السؤال سيظل قائمًا: أين الردع الذي وُعدت به المنطقة؟
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين.
الأول هو أن الاتفاق جديد جدًا، ولم يمض على توقيعه سوى أيام،
ولذلك من المبكر الحكم عليه باعتباره فشل أو نجاحًا نهائيًا.
والثاني أن استمرار الهجمات في هذه المرحلة يضع الاتفاق أمام امتحان
سياسي وعسكري لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية.
فالشعوب لا تقرأ البيانات بالطريقة التي يقرأها الدبلوماسيون.
الشعوب تنظر إلى السماء.
ترى الطائرة.
تسمع صوت الانفجار.
تتابع الدخان.
ثم تسأل سؤالًا واحدًا:
أين التحالف؟
وهنا تكمن حساسية اللحظة.
لأن اتفاق مكة لم يولد في زمن هدوء، وإنما ولد في زمن نار.
لقد جاء وسط حرب متصاعدة، وتوتر أمريكي إيراني، وتهديدات للممرات البحرية،
وهجمات بالصواريخ والمسيّرات، وتزايد المخاوف من اتساع دائرة الصراع.
ولهذا فإن الاتفاق لا يمكن التعامل معه باعتباره اتفاقًا عسكريًا عاديًا.
إنه محاولة لإعادة صياغة مفهوم الأمن في المنطقة.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، تظهر أمام المنطقة فكرة تقول إن أمن بعض
الدول الإسلامية لا يجب أن يبقى بالكامل تحت المظلة العسكرية الأجنبية.
وهذه نقطة مهمة للغاية.
فوجود الولايات المتحدة عسكريًا في الخليج ظل لعقود عنصرًا رئيسيًا
في منظومة الأمن الإقليمية، لكن الحرب الحالية كشفت في الوقت نفسه
أن الاعتماد على قوة خارجية لا يعني بالضرورة اختفاء الخطر.
بل قد تصبح القواعد الأجنبية نفسها جزءًا من معادلة التصعيد.
فإذا كانت قاعدة عسكرية أمريكية داخل دولة خليجية هدفًا محتملًا،
فإن الدولة التي تستضيف القاعدة تجد نفسها داخل دائرة الخطر،
حتى لو لم تكن طرفًا مباشرًا في الحرب.
وهنا تأتي أهمية بناء قدرة عربية وإسلامية مستقلة.
لكن الاستقلال الأمني لا يتحقق بالبيانات.
ولا يتحقق بالقمم.
ولا يتحقق بالصور الجماعية.
إنه يحتاج إلى منظومة دفاعية حقيقية.
يحتاج إلى رادارات متكاملة.
يحتاج إلى قيادة وسيطرة مشتركة.
يحتاج إلى تبادل فوري للمعلومات.
يحتاج إلى دفاع جوي متعدد الطبقات.
يحتاج إلى حماية للمنشآت النفطية والمطارات والموانئ.
ويحتاج قبل كل ذلك إلى قرار سياسي واضح بشأن ما يحدث إذا تعرضت
إحدى الدول الثلاث لهجوم واسع.
لأن السؤال الذي سيحدد مستقبل اتفاق مكة هو ببساطة:
ماذا بعد الضربة؟
إذا كان الرد هو اجتماع جديد، فالمشكلة كبيرة.
وإذا كان الرد هو بيان إدانة، فالمشكلة أكبر.
أما إذا كان الردع قد بدأ بالفعل قبل الضربة، فهنا فقط يمكن القول إن التحالف
بدأ يؤدي وظيفته الحقيقية.
وهذا لا يعني أن تركيا أو باكستان مطالبتان بالدخول الفوري في حرب،
ولا يعني أن أي هجوم يجب أن يقود إلى حرب شاملة.
فالرد الجماعي يمكن أن يكون سياسيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا وعسكريًا،
ويمكن أن يبدأ بتحرك دفاعي مشترك دون فتح أبواب حرب جديدة.
وهذه نقطة مهمة جدًا.
فأخطر شيء يمكن أن يحدث للمنطقة هو أن تتحول التحالفات الدفاعية
إلى آليات لتوسيع الحرب بدل منعها.
المطلوب هو الردع، وليس الانتقام.
المطلوب هو حماية الدول، وليس تحويل الخليج إلى جبهة جديدة.
المطلوب هو إغلاق أبواب الحرب، وليس فتح أبواب إضافية لها.
لكن في المقابل، لا يمكن أن يكون الخوف من التصعيد مبررًا دائمًا لغياب الرد.
لأن غياب الردع قد يشجع الطرف الآخر على تكرار الضربة.
وهنا يجب أن نطرح سؤالًا آخر:
ماذا أضافت السنوات الماضية من تحالفات واتفاقيات إلى أمن الخليج؟
لقد شاهدت المنطقة اتفاقيات كثيرة.
وشهدت قممًا أكثر.
وشهدت بيانات أقوى.
لكن الهجمات ظلت تجد طريقها أحيانًا إلى المنشآت الحيوية.
وظلت الصواريخ والمسيّرات قادرة على الوصول.
وظلت المنطقة تعيش بين هدنة مؤقتة وتصعيد مفاجئ.
وهذا يعني أن المشكلة ليست في نقص الاتفاقيات فقط.
المشكلة في الفجوة بين الاتفاقية والتنفيذ.
وهذه الفجوة هي التي يجب أن يغلقها اتفاق مكة.
فإذا نجح الاتفاق في بناء منظومة ردع حقيقية، فقد يكون نقطة تحول تاريخية.
أما إذا بقي في إطار البيانات، فقد يتحول مع الوقت إلى اتفاق آخر
يضاف إلى أرشيف طويل من الاتفاقات التي كانت أكبر من نتائجها.
ومن هنا أيضًا تأتي مسؤولية تركيا وباكستان.
فوجودهما في الاتفاق ليس مجرد إضافة اسمين إلى جانب السعودية.
تركيا دولة ذات وزن عسكري وصناعي كبير، وعضو في حلف شمال الأطلسي،
وقد أعلن وزير خارجيتها هاكان فيدان أن الاتفاق يشبه من الناحية الفنية
مبدأ الدفاع الجماعي الموجود في المادة الخامسة لحلف الناتو.
أما باكستان، فهي دولة ذات قوة عسكرية كبيرة وتمتلك قدرات ردع استراتيجية،
وتحمل علاقاتها مع السعودية تاريخًا طويلًا من التعاون السياسي والعسكري.
والسعودية من جانبها تملك الثقل الاقتصادي والسياسي الذي يجعل أي منظومة
إقليمية لا يمكن أن تتجاهلها.
إذن العناصر موجودة.
لكن السؤال هو:
هل تستطيع هذه العناصر أن تتحول إلى منظومة واحدة؟
هل تستطيع أن تعمل في غرفة عمليات واحدة؟
هل تستطيع أن ترى التهديد في اللحظة نفسها؟
هل تستطيع اتخاذ قرار سريع؟
وهل تستطيع تحمل تبعات القرار إذا قررت الرد؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد مستقبل التحالف.
والأهم من ذلك كله أن مصر يجب ألا تكون بعيدة عن هذه المعادلة.
فمصر ليست مجرد دولة عربية كبيرة.
هي دولة تملك موقعًا استراتيجيًا استثنائيًا، وقوات مسلحة ذات خبرة،
وتطل على البحرين الأحمر والمتوسط، وتمتلك قناة السويس،
وتملك ثقلًا سياسيًا يجعل وجودها في أي منظومة أمن إقليمية أمرًا بالغ الأهمية.
وقد أشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إمكانية توسيع الاتفاق،
فيما ذكرت رويترز أن مصر طُرحت باعتبارها عضوًا محتملًا مستقبلًا.
وهنا يمكن أن يتحول ما يسمى أحيانًا بمجموعة "R4"، التي تضم مصر والسعودية
وتركيا وباكستان، إلى إطار أوسع للتنسيق السياسي والأمني إذا تطورت الفكرة.
لكن ذلك يتطلب شيئًا أكبر من التحالف العسكري.
يتطلب رؤية.
رؤية تقول إن المنطقة ليست مضطرة إلى الاختيار بين الفوضى والتبعية.
وأن الأمن الإقليمي يمكن أن يبنى بأيدٍ إقليمية، بالتعاون مع القوى الدولية
دون أن يتحول القرار العربي إلى قرار مرتهن للخارج.
وفي قلب كل ذلك يقف الخليج.
الخليج الذي يحمل ثروات هائلة.
الخليج الذي تمر من خلاله الطاقة.
الخليج الذي ترتبط به أسواق آسيا وأوروبا.
الخليج الذي يكفي اضطراب ممراته البحرية حتى يشعر العالم كله بالصدمة.
ولهذا فإن استمرار ضرب منشآته ليس مجرد قضية أمنية.
إنه تهديد للاقتصاد العالمي.
وقد أعلنت إيران في خضم الأزمة شروطًا تتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز،
من بينها وقف دائم للأعمال العدائية وانسحاب القوات الأمريكية ورفع العقوبات،
وهو ما يوضح كيف أصبحت الممرات البحرية نفسها جزءًا من التفاوض والحرب.
وهنا تظهر خطورة أخرى.
إذا أصبحت الطاقة ورقة حرب، فإن العالم كله سيدخل المعركة بطريقة أو بأخرى.
وإذا أصبح مضيق هرمز ورقة ضغط، فإن الأسواق العالمية ستتغير.
وإذا أصبحت المنشآت النفطية أهدافًا، فإن تكلفة الحرب لن يدفعها الخليج وحده.
بل سيدفعها المستهلك في آسيا.
والمصنع في أوروبا.
وشركة النقل في أفريقيا.
والاقتصاد العربي كله.
ولهذا يجب ألا يترك المجتمع الدولي الخليج وحيدًا في مواجهة
هذه التداعيات، وفي الوقت نفسه يجب ألا يستخدم أمن الخليج ذريعة
لإرسال المزيد من القوات وتحويل المنطقة إلى أكبر قاعدة عسكرية في العالم.
فالسلام لا يصنعه السلاح وحده.
والأمن لا يعني كثرة القواعد العسكرية.
الأمن يعني أن يصبح استخدام السلاح هو الخيار الأخير، لا الخيار الأول.
إن الخليج اليوم يحتاج إلى معادلة جديدة.
معادلة تقول إن أي اعتداء على دولة خليجية لن يمر بلا حساب،
لكنها في الوقت نفسه تقول إن الحساب لا يعني بالضرورة إشعال حرب شاملة.
وهنا بالضبط يجب أن يظهر الدور الحقيقي لاتفاق مكة.
ليس في الصور.
ولا في البيانات.
ولا في الاحتفالات.
بل في منع الحرب.
أن يعرف الخصم أن وراء السعودية تركيا وباكستان.
وأن تعرف تركيا أن وراءها السعودية وباكستان.
وأن تعرف باكستان أن وراءها السعودية وتركيا.
لكن الأهم أن تعرف المنطقة كلها أن هذا التحالف ليس موجهًا ضد شعب،
ولا ضد مذهب، ولا ضد دولة بعينها، وإنما هدفه حماية الدول الأعضاء
وردع الاعتداء ومنع انفجار المنطقة.
وهذا ما أكدته باكستان رسميًا، إذ وصفت الاتفاق بأنه دفاعي بحت
ومفتوح أمام دول أخرى تلتزم بالتعاون وحل النزاعات بالطرق السلمية.
وهنا يمكن أن يصبح الاتفاق فرصة تاريخية بدل أن يكون مجرد رد فعل على الحرب.
فرصة لبناء نظام أمني إقليمي جديد.
نظام لا ينتظر القصف حتى يتحرك.
نظام يتنبأ بالتهديد قبل وقوعه.
نظام يدمج المعلومات.
نظام يحمي المنشآت الحيوية.
نظام يحمي الملاحة.
نظام يحمي المدنيين.
نظام يجعل تكلفة الحرب أكبر من فائدتها.
لأن أعظم انتصار يمكن أن يحققه أي تحالف هو ألا يضطر إلى خوض الحرب أصلًا.
لكن حتى يتحقق ذلك، يجب ألا يتعامل أحد مع الاتفاق باعتباره عصا سحرية.
الاتفاق وحده لا يوقف الصواريخ.
والتحالف وحده لا يحمي المدن.
والبيان وحده لا يمنع المسيّرات.
القوة الحقيقية هي في تحويل الاتفاق إلى منظومة تعمل.
وهذا هو الاختبار الذي بدأ بالفعل.
فالطائرات المعادية ما زالت تبحث عن طريقها.
والمسيّرات ما زالت تظهر في سماء المنطقة.
والمنشآت الحيوية ما زالت تحت التهديد.
والحرب لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.
ولذلك فإن اتفاق مكة أمام لحظة تاريخية:
إما أن يصبح بداية عصر جديد من الردع الإقليمي،
وإما أن يظل عنوانًا كبيرًا ينتظر أن تثبت الأيام محتواه.
والسؤال الذي سيظل يطارد الجميع هو:
إذا كان الاعتداء على واحد هو اعتداء على الجميع،
فماذا سيفعل الجميع عندما يتعرض الواحد للاعتداء؟
هذا هو السؤال الذي لا يمكن دفنه تحت البيانات.
وهذا هو السؤال الذي لن تجيب عنه المؤتمرات الصحفية.
والأيام القادمة وحدها ستجيب عنه.
فمن الخليج تبدأ الحكاية.
ومن سمائه تمر الرسائل.
وعلى مياهه تتحدد حركة الطاقة.
وتحت سمائه تتقاطع حسابات القوى الكبرى.
وفي مدنه يعيش ملايين البشر الذين لا يريدون أن يكونوا جزءًا من حرب
لم يختاروها، ولا يريدون أن تصبح أوطانهم صناديق بريد للصواريخ.
إن الخليج لا يحتاج إلى حرب جديدة.
إنه يحتاج إلى قوة تمنع الحرب.
ويحتاج إلى تحالفات لا تكتفي بالتصريحات.
ويحتاج إلى دول تعرف أن السيادة ليست شعارًا، وأن أمن المواطن ليس تفصيلًا.
ويحتاج إلى موقف عربي وإسلامي واضح يقول:
كفى تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.
كفى استخدام الشعوب وقودًا للصراعات.
كفى تحويل النفط إلى هدف.
كفى تحويل الموانئ إلى رهائن.
كفى تحويل السماء إلى جبهة دائمة.
فإذا كان اتفاق مكة قد وُلد من رحم الخوف، فالمطلوب أن يتحول إلى
أداة لصناعة الأمان.
وإذا كان قد جاء في لحظة تهديد، فعليه أن يصنع الردع.
وإذا كان قد رفع شعار أن الاعتداء على واحد هو اعتداء على الجميع،
فإن المرحلة المقبلة ستكشف إن كان هذا الشعار مجرد جملة سياسية،
أم أنه أصبح بالفعل قاعدة جديدة في أمن المنطقة.
لأن التاريخ لا يتذكر التحالفات بسبب مراسم توقيعها.
التاريخ يتذكرها عندما تواجه أول اختبار.
وأول اختبار لاتفاق مكة لم يعد بعيدًا.
لقد جاء سريعًا، وربما أسرع مما توقع كثيرون.
والآن، لم يعد السؤال: لماذا تحالفوا؟
السؤال الحقيقي أصبح:
ماذا سيفعلون بهذا التحالف؟
وهل تستطيع مكة، بما تمثله من رمز ديني وسياسي وتاريخي،
أن تكون نقطة البداية لمرحلة لا يكون فيها الخليج ساحة للصواريخ،
بل مساحة للأمن والتنمية والسلام؟
هذا هو الرهان.
وهذا هو الاختبار.
وهذه هي اللحظة التي يجب أن تتكلم فيها الأفعال أعلى من البيانات.












قاتل التجمع يتخلص من أسرة كاملة...ومحاولات لكشف سبب الجريمة البشعة
كارثة...إصابة 17 شخصًا في حادث تصادم بين ميكروباص وسيارة نقل بصحراوي بني...
تأجيل محاكمة 12 متهما بخلية اللجان الإدارية بالتجمع لجلسة 12 أكتوبر
انتشال جثة غريق في منطقة نكلا بمنشأة القناطر
تعرف على أسعار الفراخ اليوم الإثنين 10 أغسطس 2026
سعر الدولار أمام الجنيه اليوم الإثنين 10 أغسطس 2026
سعر الذهب اليوم في محلات الصاغة....عيار 21 يكسر 6000 جنيه
أسعار الدولار اليوم السبت 8-8-2026..