الإثنين 10 أغسطس 2026 06:52 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

ياسر إبراهيم عبيدو يكتب : المشرق العربي وحطام الخرائط

الكاتب الكبير يأسر ابراهيم عبيدو
الكاتب الكبير يأسر ابراهيم عبيدو

"مائة عام من السراب الكولونيالي"
ليس ثمة أدل على عجز الأطر الكولونيالية القديمة من تداعيها المتلاحق أمام أعيننا اليوم؛ فإذا نظرنا بصرامة صحفية ورؤية استراتيجية إلى خرائط المشرق العربي من الهلال الخصيب وتخوم دجلة والفرات وصولاً إلى شواطئ المتوسط نجد أن الإطار الذي خُط بمداد المستعمر الفرنسي والبريطاني قبل قرن من الزمان فيما عُرف باتفاق «سايكس بيكو»، لم يكن سوى اقتسام قسري لم ينشئ دولاً مستقرة بقدر ما أنتج كيانات هشة، تحمل في طياتها بذور تشظيها الذاتي.
إن ما نراه اليوم في العراق وسوريا ليس مجرد أزمات سياسية عابرة، بل هو انهيار بنيوي شامل لنموذج فُرض قسراً؛ حيث يتوزع العراق بين مناطق متصارعة ودويلات أمر واقع، ومثله الشام المكلوم.
ولا أدل على هذا الفشل التاريخي مما يعترف به قادة الإقليم؛ إذ غدا صريحاً أن مائة عام من إخفاق هذا النظام الهجين كافية تماماً للتطلع إلى خيارات هندسية جديدة، تضع المنطقة بين خيارين لا ثالث لهما:
إما الانهيار الفوضوي والاندفاع نحو دولة «أمراء الحرب»، أو الذهاب الشجاع نحو إعادة صياغة الدستور وتدابير الحكم اللامركزي الكونفيدرالي الذي يصون النسيج المجتمعي.
التأصيل الشرعي: فقه العمران وسنة التداعي
إن النظر إلى أزمات الأمة من منظور الفكر الاستراتيجي العربي والإسلامي يوجب علينا استحضار فقه عمران الدول وسنن قيامها وسقوطها؛ فالله تبارك وتعالى يقول في محكم التنزيل:
"وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ":
إن «ذهاب الريح»أي الهيبة والسيادة هو النتيجة الحتمية للتصارع على أسس طائفية أو إثنية ضيقة.
وقد علمنا التاريخ الإسلامي، كما قعد له ابن خلدون في سبر سنن العمران، أن الدولة التي تترك الحوكمة الرشيدة ولا تقوم على العدل الشامل بين كافة مكوناتها هي دولة آيلة للانهيار، مهما ملكت من قوة أدبية أو عسكرية.
فحين تخلت السلطات المركزية عن تحقيق العدالة واستيعاب كافة الأطياف من سنة وشيعة وأكراد وأقليات أصيلة "فسدت القاعدة العمرانية، وحل محلها منطق التنازع التخريبي". وإن من أوجب الواجبات شرعاً وسياسة الاستجابة لنداء الحق والعقل، وبناء عقد اجتماعی وسياسي جديد يحقن الدماء ويقيم العدل ويحفظ الأوطان من التلاشي.
شرق المتوسط: استهداف الشريان الحيوي المصري
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات وتتكشف فيه أدوات الصراع الرمادي عبر هجمات المسيرات التي طالت قطاع الطاقة والتي كان أبرزها حادث استهداف سفينة التغويز في ميناء دمياط وما تلاه من محاولات لإشعال حرب وكالات وإرباك سوق الملاحة يتضح لنا جلياً أن تداعيات الشرق الأوسط الجديد المشرذم لن تقف عند حدود الدول التي أُنهكت بالحرب الداخلية، بل تسعى قوى مختلفة إلى نقل شرارة الفوضى إلى قلب الأمن القومي المصري وشرايين اقتصاده الحيوي.
إن ملحمة السيطرة على حريق سفينة دمياط وعزلها بقدرات وإرادة مصرية حازمة كشفت طبيعة الصراع المُدار:
استهداف الردع الاقتصادي : محاولة لشل قدرات مصر كمركز إقليمي لتداول الطاقة والإسالة في شرق المتوسط، ورفع تكاليف التأمين الملاحي.
تصدير الفوضى وحروب الأشباح : نقل حالة عدم الاستقرار من المناطق الهشة إلى الدول المحورية لتفكيك أي مركز قوة عربي قادر على حفظ التوازن.
خلط الأوراق الاستراتيجية
: محاولة تشتيت الانتباه عن خنق الممرات الملاحية في هرمز وباب المندب، واختبار حدود الردع السيادي المصري.
خريطة الطريق: نحو معمار إقليمي جديد
إن الخروج من هذه الدوامة التاريخية لا يكون بالتجريب العشوائي، بل باستيعاب دروس الماضي والتأسيس لبنية جديدة عبر محاور حاسمة:
إعادة هيكلة العقد الاجتماعي "النظام الكونفيدرالي":
الإقرار بأن المركزية الشمولية القديمة قد انتهت؛ والبديل هو الذهاب نحو صيغ كونفيدرالية أو فدرالية موسعة تضمن حقوق كافة المكونات القومية والمذهبية، وتصون في الوقت ذاته السيادة العامة والحدود الخارجية.
التخطيط المؤسسي الشامل:
على غرار التخطيط لبناء المؤسسات الدولية عقب الحرب العالمية الثانية، يتعين إطلاق مشروع إقليمي للتنمية والحوكمة ينهي ظروف الفقر والإقصاء التي تقتذي عليها التنظيمات الإرهابية.
صيانة حزام الأمن السيادي:
التصدي الحاسم والسيادي لأي مساس بالمرافق الحيوية والشرايين البحرية، وفي مقدمتها المنشآت اللوجستية المصرية؛ فاستقرار مصر هو حجر الزاوية المنظم لأمن الإقليم ككل.
خاتمة
إن معالجة خطايا قرن كامل من الخطوط المرسومة على الرمال تتطلب شجاعة استراتيجية ورؤية نافذة. وإن مصر، بمؤسساتها الراسخة وفكرها الاستراتيجي، كانت وستظل الركيزة الصلبة التي تمنع انزلاق المنطقة نحو الفوضى الشاملة، وتقدم الرؤية الرشيدة لحفظ أمن الأمة وصون مقدراتها.

ياسر إبراهيم عبيدو المشرق العربي وحطام الخرائط مقالات يأسر ابراهيم عبيدو الجارديان المصريه