الجمعة 14 أغسطس 2026 07:01 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

ضاحى عمار يكتب: الدواويس يكتب فصلًا موجعًا في حكايات البحث عن لقمة العيش

الكاتب الكبير ضاحي عمار
الكاتب الكبير ضاحي عمار

في لحظة واحدة تبدلت ملامح صباح عادي إلى واحدة من أكثر مشاهد الحزن قسوة، بعدما تحولت رحلة عشرات العمال على طريق الدواويس بالإسماعيلية إلى مأساة امتدت آثارها من موقع الحادث إلى قرى محافظة الشرقية، حيث كانت الأسر تنتظر عودة أبنائها من يوم عمل جديد، قبل أن تصل إليها أخبار التصادم محملة بما لا تستطيع الكلمات وصفه.
18 أسرة فقدت أحد أفرادها في الحادث، وعشرات أخرى وجدت نفسها أمام مصابين ينتظرون العلاج، فيما حملت سيارات الإسعاف الضحايا من موقع التصادم إلى المستشفيات، ثم بدأت رحلة أخرى أكثر ألمًا، تمثلت في نقل الجثامين إلى قراهم تمهيدًا لدفنهم. ووفق آخر ما أعلنته النيابة العامة، أسفر الحادث عن وفاة 18 شخصًا وإصابة 30 آخرين، تتراوح أعمار المصابين بين 9 أعوام و50 عامًا.
صباح لم يكتمل
كانت المركبات تقل عمالًا في طريقهم إلى أعمالهم، لكن الطريق لم يمنحهم فرصة للوصول. ووفق نتائج التحقيقات الأولية التي أعلنتها النيابة العامة، انفجر الإطار الخلفي الأيمن لإحدى المركبتين، فانحرفت عن مسارها إلى الاتجاه المقابل، لتصطدم بالمركبة الأخرى، في حادث خلّف هذا العدد الكبير من الضحايا والمصابين.
انتقلت الأجهزة المعنية إلى موقع الحادث فور تلقي البلاغ، ودُفعت أعداد كبيرة من سيارات الإسعاف للتعامل مع المصابين ونقلهم إلى المستشفيات، بينما بدأت الجهات المختصة إجراءاتها لمعاينة موقع التصادم وتحديد ملابساته.
ولم تكن قسوة المشهد في أعداد الضحايا فقط، وإنما في طبيعة الحادث نفسه، الذي جمع في لحظات واحدة عمالًا خرجوا من مناطقهم بحثًا عن الرزق، فإذا بالعودة تكون إلى بيوتهم في نعوش بدلًا من أن تكون في نهاية يوم العمل.
من الإسماعيلية إلى الشرقية
سرعان ما انتقل وقع الكارثة من الإسماعيلية إلى الشرقية، بعدما تبين أن عددًا كبيرًا من الضحايا ينتمون إلى قريتي وادي الملاك وبحر البقر.
وأوضح محافظ الشرقية أن المحافظة فقدت 18 من أبنائها في الحادث، بينهم 12 من أبناء وادي الملاك و6 من أبناء بحر البقر. ومع وصول الجثامين، دخلت القرى في حالة حداد جماعي، وتحولت مراسم التشييع والعزاء إلى مشهد تختلط فيه مشاعر الصدمة بالفقد، وسط حضور واسع من الأهالي وأقارب الضحايا.
وفي وادي الملاك، لم تكن المأساة مرتبطة بعائلة واحدة، وإنما أصابت عددًا من الأسر في وقت واحد، الأمر الذي جعل الحزن عامًا، وأصبح كل منزل تقريبًا يحمل قصة مختلفة لشاب كان له مكانه بين أهله وأصدقائه وأبناء قريته.
حقيقة الأشقاء الستة
ومع انتشار تفاصيل الحادث، ظهرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي رواية تقول إن ستة أشقاء من أسرة واحدة لقوا مصرعهم دفعة واحدة، وهي الرواية التي حظيت بتفاعل واسع بسبب قسوة مضمونها.
إلا أن البيانات الرسمية اللاحقة حسمت هذه النقطة، مؤكدة أن الضحايا الستة ليسوا أشقاء من أسرة واحدة.
وبحسب تصريحات محافظ الشرقية، كان من بين ضحايا وادي الملاك أربعة أشقاء ينتمون إلى أسرتين مختلفتين، بواقع شقيقين من كل أسرة، بينما ينتمي باقي الضحايا إلى أسر أخرى.
هذا التصحيح لم يقلل من حجم الفاجعة، لكنه أعاد رسم تفاصيلها كما وقعت، بعدما اختلطت المعلومات الرسمية بما جرى تداوله عبر صفحات ومقاطع مواقع التواصل الاجتماعي.
الرجل الذي اختصر وجع القرية
وسط ذلك المشهد، ظهر رجل أمام المستشفى في حالة انهيار شديد، وأصبح مقطع الفيديو الذي ظهر فيه وهو يردد أن أولاده الستة رحلوا واحدًا من أكثر المشاهد تداولًا وتعاطفًا.
لكن الحقيقة التي كشفتها الجهات المحلية كانت مختلفة عن الاعتقاد الأول الذي انتشر بين المواطنين.
الرجل لم يكن والد الأشقاء الستة، وإنما كان يبكي شبابًا من أبناء قريته وأقاربه، وكان ينظر إليهم باعتبارهم أبناء له. وقد سبق أن فقد نجله قبل سنوات، ولذلك ارتبط بالشباب الستة بعلاقة إنسانية عميقة جعلت رحيلهم الجماعي يعيد إليه ألم الفقد من جديد.
هكذا اكتسبت عبارته معناها الحقيقي؛ لم يكن يتحدث عن أبوة تثبتها الأوراق، وإنما عن أبوة صنعتها العِشرة والمودة والانتماء إلى المكان نفسه.
الجنازات تكشف حجم الكارثة
مع عودة الجثامين إلى الشرقية، بدأت القرى تستقبل أبناءها في مشهد ثقيل على الجميع.
سرادقات العزاء امتلأت بالأهالي، واصطف أبناء القرى لتقديم واجب المواساة، بينما كانت صور الضحايا حاضرة في كل مكان، تروي قصص شباب انتهت حياتهم في طريق كانوا يسلكونه بحثًا عن العمل.
وأقيمت عزاءات جماعية للضحايا، وشارك أعداد كبيرة من الأهالي في مراسم الوداع، بينما استقبلت الأسر المعزين في مشهد امتزجت فيه التلاوة والدعاء بالدموع والصمت.
لم يكن المشهد مجرد جنازة لعدد من الأشخاص، بل كان وداعًا جماعيًا لجيل من شباب القرى، وهو ما جعل الحادث يتحول سريعًا إلى قضية رأي عام تتجاوز حدود المكان الذي وقع فيه التصادم.
التحقيق يضع الحقيقة أمام الجميع
منذ الساعات الأولى، لم تتوقف الإجراءات عند نقل المصابين والضحايا، وإنما بدأت النيابة العامة تحقيقاتها للوقوف على السبب المباشر للحادث.
وانتقل أعضاء النيابة إلى موقع الواقعة لإجراء المعاينة، كما توجه آخرون إلى المستشفيات لمتابعة حالات المصابين ومناظرة جثامين المتوفين والاستماع إلى أقوال المصابين وذويهم.
وكشفت التحقيقات أن انفجار الإطار الخلفي الأيمن لإحدى المركبتين أدى إلى فقدان السيطرة عليها وانحرافها إلى الاتجاه المقابل، وهو ما تسبب في وقوع التصادم.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأنها تنقل الحديث عن الحادث من دائرة التكهنات إلى ما توصلت إليه التحقيقات الرسمية، وتوضح أن تحديد المسؤوليات لا ينبغي أن يستند إلى ما يتداول على صفحات التواصل الاجتماعي، وإنما إلى نتائج الفحص والمعاينة والأدلة التي تجمعها جهات التحقيق.
30 مصابًا في مواجهة الموت
لم يكن الضحايا الـ18 وحدهم الذين حملوا ثمن الحادث، إذ أصيب 30 شخصًا آخرين، بعضهم في أعمار صغيرة، ونقلوا إلى المستشفيات الحكومية بالإسماعيلية لتلقي الرعاية الطبية.
وبينما كانت أسر الضحايا تستعد لاستقبال جثامين أبنائها، كانت أسر أخرى تعيش ساعات انتظار مختلفة، أمام أبواب المستشفيات، بحثًا عن خبر يطمئنهم على مصير ذويهم.
وهكذا انقسمت القرى بين بيوت أغلقت أبوابها على الحزن، وأخرى تنتظر تحسن حالة مصابيها، بينما انشغلت الأجهزة الطبية بتقديم الرعاية اللازمة للمصابين.
مساعدات لا تمحو الفقد
في مواجهة التداعيات الإنسانية للحادث، بدأت مديرية التضامن الاجتماعي في الشرقية صرف المساعدات المقررة لأسر الضحايا، تنفيذًا للتوجيهات الرئاسية ودعمًا للعائلات المتضررة.
وتأتي هذه المساعدات في وقت تواجه فيه الأسر واقعًا جديدًا فرضه الحادث، خاصة العائلات التي فقدت أبناء كانوا يمثلون مصدر دخل أو سندًا أساسيًا لها.
غير أن الدعم المالي، رغم أهميته، يظل عاجزًا عن معالجة الجانب الأعمق من المأساة؛ فالأموال يمكن أن تساعد الأسرة على تجاوز بعض الأعباء، لكنها لا تستطيع إعادة ابن غاب فجأة، ولا تعيد إلى الأم صوت ابنها، ولا إلى الأب خطوات نجله التي اعتاد سماعها أمام باب المنزل.
الطريق الذي يستحق المراجعة
حادث الدواويس لا ينبغي أن ينتهي بمجرد دفن الضحايا وإغلاق ملف الواقعة، لأن حجم الخسائر يفرض إعادة النظر في كل عناصر السلامة التي تحيط بنقل العمال وحركة المركبات على الطرق.
والسؤال هنا لا يتعلق بالحادث وحده، وإنما بمنظومة الوقاية بأكملها: مدى سلامة المركبات، والفحص الفني الدوري، وحالة الإطارات، ومدى الالتزام بقواعد السير، وطبيعة وسائل نقل العمال، وكفاءة الطرق في المناطق التي تشهد حركة يومية كثيفة.
فإذا كان انفجار إطار هو السبب المباشر الذي أدى إلى فقدان السيطرة على إحدى المركبتين، فإن سلامة الإطارات والفحص الفني للمركبات يصبحان جزءًا أساسيًا من منظومة الوقاية، وليس مجرد تفصيل فني يرد في نهاية التحقيق.
والمطلوب بعد مثل هذه الحوادث ليس فقط البحث عن المسؤول، وإنما البحث أيضًا عن الوسيلة التي تمنع تكرار المشهد.
الحزن لا يعرف الأرقام
ربما تختصر البيانات الرسمية الحادث في 18 وفاة و30 إصابة، لكن القرى لا تعرف الحزن بهذه الطريقة.
كل وفاة لها بيت.
كل مصاب له أم وأب وزوجة وأبناء.
كل شاب رحل كان يحمل معه مشروع حياة لم يكتمل.
ولهذا فإن الرقم الذي يظهر في نهاية البيان الرسمي لا يعبر وحده عن حجم الكارثة. ففي خلفية كل اسم قصة، وفي خلفية كل صورة أسرة، وفي خلفية كل جنازة مستقبل تغير مساره في لحظة.
وربما كان الرجل الذي أبكى المصريين هو أكثر من اختصر هذه الحقيقة؛ فقد ظهر أمام الناس لا باعتباره والد ستة أشقاء كما شاع في البداية، وإنما باعتباره رجلًا فقد نجله من قبل، ثم وجد نفسه يودع شبابًا كان يراهم أبناء له.
ذاكرة لا تنتهي
تعود الطرق في النهاية إلى طبيعتها، وتتحرك السيارات من جديد، وتفتح المحال أبوابها، ويعود الناس إلى أعمالهم، لكن القرى التي فقدت أبناءها لا تعود كما كانت.
تبقى صور الشباب في البيوت، وتبقى أصواتهم في ذاكرة آبائهم وأمهاتهم، ويبقى طريق الدواويس شاهدًا على يوم خرج فيه عشرات العمال بحثًا عن الرزق، فعاد بعضهم إلى أهله محمولًا على الأكتاف.
وما بين التحقيقات التي كشفت سبب التصادم، والمساعدات التي بدأت تصل إلى الأسر، ومراسم التشييع التي جمعت أهالي القرى، تبقى الرسالة الأهم أكبر من تفاصيل حادث بعينه: حياة الإنسان لا يجب أن تصبح ثمنًا معتادًا للوصول إلى مكان العمل.
رحم الله ضحايا حادث الدواويس، وشَفى المصابين، وألهم أسر الضحايا وذويهم الصبر والسلوان. والأمل أن تتحول هذه الفاجعة من ذكرى مؤلمة إلى دافع حقيقي لمراجعة إجراءات السلامة، حتى لا تستيقظ قرية أخرى ذات صباح على خبر يشبه هذا الخبر

ضاحى عمار الدواويس يكتب فصلًا موجعًا في حكايات البحث عن لقمة العيش الجارديان المصريه