الثلاثاء 25 أغسطس 2026 05:06 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. احمد شندى يكتب : قاع الهامور.. ضحكة على سطح بحر من الهموم

د. احمد شندى
د. احمد شندى

حين تسأل الهامور عن سره الذي يبقيه حياً في أعماق البحر، حيث الظلام دامس والضغط يسحق كل شيء، يبتسم الهامور بحزن عميق. إنه لا يعرف أن الحياة قد تكون أكثر من مجرد البقاء. الهامور يسبح في قاع البحر، بعيداً عن شمس السطح، حيث لا أحد يراه، حيث لا أحد يسمعه، وحيث تختفي كل الأحلام تحت طبقات لا تُحصى من الماء والصمت.

ربما هذا هو حال الإنسان في عصرنا هذا. نعيش على السطح، نضحك، نتبسم، نرفع رؤوسنا نحو الشمس، لكن أعماقنا تغرق في هموم لا تُحصى. كل واحد منا هو هامور صغير، يحمل قاعه الخاص به، يحمل وزناً من الأسرار والمخاوف والحنين.

الضحكة على السطح

الضحكة هي أعظم خدعة ابتدعها الإنسان. في المقاهي، في الشوارع، في المكاتب والمنازل، نرى الوجوه تضحك. لكن هل تذهب تلك الضحكة إلى ما بعد الشفاه؟ هل تصل إلى الروح؟

الموظف الذي يضحك لرئيسه في الصباح، قد يبكي في سيارته في الطريق إلى البيت. الأم التي تبتسم لأطفالها، قد تحطم أطباقاً في المطبخ حين تكون وحدها. الصديق الذي يقهقه في الجلسة، قد يكافح مع وحدة قاتمة حين يعود إلى غرفته. الضحكة ملمع برّاق على سطح بحر من الهموم.

ما يختبئ في الأعماق

في قاع البحر، حيث يسكن الهامور، توجد حقائق مُرّة. الخوف من المستقبل، القلق على الأحباء، الندم على الماضي، الشعور بعدم الكفاية، الوحدة رغم وجود الآخرين، الحنين إلى حياة لم نعشها، الألم من فقد لم نستطع تجاوزه.

هموم الإنسان متعددة الألوان. هناك هموم مادية، تتعلق بالرزق والعيش الكريم. هناك هموم عاطفية، حول الحب والقبول والانتماء. هناك هموم وجودية، حول معنى الحياة والموت والخلود. هناك هموم اجتماعية، تتعلق بالعدالة والكرامة والاحترام. كل إنسان يحمل مزيجاً معقداً من هذه الهموم، ويخفيها تحت ابتسامة لطيفة.

جمال الحنين والألم

لكن ربما—وهنا يكمن السر—أن هذه الهموم هي التي تجعلنا بشراً حقاً. الإنسان الذي لم يعاني أبداً هو مجرد ظل. الإنسان الذي لم يحزن لم يحب حقاً. الإنسان الذي لم يخف لم يكن شجاعاً قط. قيمتنا تكمن في قدرتنا على تحمّل الألم والاستمرار.

في أعماق البحر، حيث يسكن الهامور، يوجد سلام غريب. الهموم موجودة، نعم، لكنها ليست مشهد درامي. إنها جزء من النسيج، مثل الماء والصخور. الهامور لا يسعى للهروب منها، بل يسعى للعيش معها. ربما هذا هو الحكمة الحقيقية—ليس في نسيان الهموم أو إنكارها، بل في قبولها وجعلها جزءاً من حكايتنا.

حين السطح يختار الأعماق

ربما الحل ليس في إخفاء الهموم بضحكات أكثر حدة. ربما الحل هو في الشجاعة. شجاعة أن نعترف لأنفسنا، وربما لمن نحب، أننا نغرق أحياناً. أننا نشعر بالثقل. أننا لا نستطيع دائماً الابتسام.

الإنسان لا يحتاج أن يكون سمكة ذهبية براقة طوال الوقت. أحياناً، يمكننا أن نكون الهامور. نسبح في أعماق حياتنا، نحمل هموماً، نسكن الظلام، لكننا ما زلنا أحياء. ما زلنا هنا. ما زلنا ننبض.

والضحكة—تلك الضحكة على السطح—قد تكون ليست كذبة. قد تكون حقيقة أخرى. قد تكون تذكراً لأنفسنا بأن الحياة مستمرة. بأن هناك لحظات جميلة بين الهموم. بأن بإمكاننا أن نضحك وأن نحزن في نفس الوقت، دون أن نكون منافقين، بل بشراً.

خلاصة القول

قاع الهامور ليس مكاناً للهروب. إنه مكان للتذكير. تذكير بأن الحياة عميقة، معقدة، غنية بالتناقضات. نحن نعيش على السطح والأعماق في نفس الوقت. ضحكاتنا حقيقية، وهموماتنا حقيقية أيضاً. لا تناقض هنا، فقط الحقيقة المرة والحلوة للوجود الإنساني.

فلننظر إلى الهامور ونتعلم منه. لننزل إلى أعماقنا، لننظر إلى هموماتنا بثبات وشجاعة، لكن دون أن نفقد قدرتنا على الضحك. لأن الضحكة على سطح بحر من الهموم ليست كذبة. إنها حياة.

د. احمد شندى قاع الهامور.. ضحكة على سطح بحر من الهموم الجارديان المصريه