عصام بيومى يكتب من كندا: عن الاستبداد الإعلامي.. متى توضع «فيسبوك» وأخواتها تحت وصاية دولية؟
عندما بدأت دراسة الإعلام، قبل 40 سنة ونيّف، علمونا أن الصورة الثابتة بألف كلمة وأنها لا تكذب. ثم دارت الأيام وتطورت التكنولوجيا، وظهر «الفوتوشوب» ونظائره، واتضح أنها يمكن أن تكذب وتفعل كل الخبائث. بعدها قيل إن الصور المتحركة (الفيديو) لا تكذب لأنك ترى الحدث بعينيك. لكن تطورت التكنولوجيا مجددا، وظهر «الفيديو إدتنج» و»الديب فيكس»، و" فويس كلوننج" أي استنساخ الصوت، وصولا إلى الذكاء الصناعي. واتضح أن صور الفيديو يمكن أن تكون أكثر كَذبا وتضليلا من الثابتة، ومن الشيطان ذاته. ثم استمر التطور التكنولوجي وتحول الإعلام كله إلى صناعة يمكن، للبعض، أن يجعلوها قائمة على الاختلاق والكذب بالكلية، بما يجعل دعاية جوزيف جوبلز أمامها نقطة في بحر.
وقديما قالوا لنا أيضا إن وسائل الإعلام في الدول «المتقدمة» حرة لا تكذب. ثم مرت الأيام واتضح أنها أكثر كذبا وتزويرا واستبدادا من مثيلاتها في ما يسمى الدول الاستبدادية، واتضح أيضا أنها هي التي صنعت كل تاريخ الكذب والأساطير المؤسِّسَة لأوهام ما يسمى حرية الرأي وحق المعرفة، بل وأنها كانت ومازالت حجر الأساس في شيء أكبر وأخطر هو «صناعة الاستبداد». فقد قام الاستبداد السياسي في أساسه على الاستبداد الإعلامي واحتكار تشكيل الفكر، منذ «أنا ربكم الأعلى»، و»ما أريكم إلا ما أرى»، إلى يومنا الحالي الذي يتم فيه تطبيق هاتين الحالتين حرفيا، تقريبا، في أغلب دول العالم، وأحيانا بالمفردات ذاتها أو قريبا منها. لتتحقق هنا آية: "وسحروا أعين الناس واسترهبوهم". فمع وصول ما يسمى "وسائل الإعلام الجديد" أصبحنا أمام استبداد إعلامي جديد.
ويمكن القول، باختصار، إن صناعة الاستبداد الإعلامي تتم بأمور ثلاثة رئيسية، هي الاحتكار، والإغراق، والتشويه (بكل أشكاله من كذب وتزوير وتضليل وحجب،...إلخ». وليس خافيا على أحد خطورة الاحتكار الذي تُجسده العولمة في كل شيء، سياسيا واقتصاديا وإعلاميا. وهنا تحتكر قوى معينة، يسخرها أباطرة رأس المال، وسائل الإعلام المؤثرة في العالم، التقليدية والحديثة، «في عملية تزاوج حقيقي بين دهاقنة المال والسياسة والإعلام»، بحسب تعبير المفكر الكندي بول نيسبت-لاركنج في كتابه، السياسة،المجتمع والإعلام(2001(.
ولمقدم البرامج الأمريكي، ريك وايلز، المعروف بانتقاده للسياسة الأمريكية، مقولة كاشفة تشرح طبيعة الطغيان السياسي والاستبداد الإعلامي، معا، يقول فيها: إذا أردت أن تعرف من يحكمك كإعلامي فانظر من تخشى غضبه، فإذا لم تكن تخشى بايدن أو ترمب، مثلا، فهو ليس من يحكمك. وبما أنك لا تخشى إلا اللوبي الصهيوني فالمعنى أن ذاك اللوبي هو الحاكم الفعلي. وبما أنه لم يعد خافيا تحكم القوى الصهيونية في سياسة واقتصاد وإعلام العالم، بدرجة كبيرة، من خلال عدد محدود من الشركات العملاقة، فلا يُستغرب عزف وسائل الإعلام أو أغلبها على نغمة واحدة، هي نغمة الكذب والتضليل.
وتاليا في أُسس صناعة الاستبداد، يأتي الإغراق. وبات الجميع يعرف سياسة وسائل الإعلام في التركيز على قضايا بعينها بكثافة لا تسمح لأي محتوى آخر بالظهور إلا نادرا. ولتوضيح الأمر سنأخذ مثالا من مكان يدّعي الديمقراطية والعدالة وهو أبعد ما يكون عنها. المثال أوردته الكاتبة اليزابيث دوسكين في مقال لها بالواشنطن بوست حول كيفية تلاعب الكيان الإسرائيلي بمشاعر الرأي العام هناك عن طريق إغراق منصات الإعلام الجديد بأخبار كاذبة عن هجمات مروعة وإنذارات بشُح خطير في الموارد دفعت الناس لتخزين المواد الأساسية وزادت الخوف والكراهية تجاه الآخر (الفلسطينيين). الكاتبة نفسها ضربت مثالا آخر على صناعة التشويه والتضليل بتقرير (منتصف 2021) كشفت فيه عن أن "فيسبوك" تُسخر الذكاء الصناعي لحجب النشطاء المدافعين عن فلسطين مثلما تحجب المدافعين عن حقوق السود.
أما عمليات التشويه الإعلامي فقد رصدتها تقارير منظمة «مراسلون بلا حدود»، المتعاقبة وأحدثها تقرير 2025، وتفضح "ضلوع فاعلين سياسيين في حملات تضليل واسعة النطاق في بلدانهم، بشكل مُنظم ومنهجي، حيث يجد الجمهور نفسه تائهاً بين المعلومات الصحيحة والخاطئة، وبين الحقيقة والأكاذيب" . كما تؤكد تقارير المنظمة أن التطور المذهل الذي شهده «الذكاء الصناعي التوليدي» أحدث اضطرابات كبيرة في الحقل الإعلامي، المنتهك أصلاً، بتأثيرات ثورة «ويب 2.0»، التفاعلية التي بدأت قبل نحو عقدين، وأوجدت استخدامات الانترنت الانحرافية الحالية. ومن أخطر ما أكده تقرير، العام 2023، بحسب تحقيق لمشروع «قصص مُحرمة» التابع للمنظمة، أن الذكاء الصناعي يتلاعب بالمحتوى ويعيد صياغته بطريقة تفتقر للدقة والموثوقية. وأشار التقرير إلى أنه على العكس، مما رُوِّج وصدقه كثيرون، فإن إلون ماسك الذي اشترى «تويتر» ومنحها اسما شيطانيا هو "إكس"، ذهب أبعد ما يكون في تشديد الرقابة، ما يُحوَّل وسائل التواصل إلى «رمال متحركة» تبتلع الحقيقة.
هذه المنصات التي بدأت باعتبارها فضاءات مفتوحة للتعبير تحولت تدريجياً إلى سلطات فوق وطنية، تمارس التمييز الثقافي والأيديولوجي فتضع القواعد وتفسرها وتنفذ العقوبات وتصدر الأحكام دون رقابة حقيقية أو مساءلة ديمقراطية. وإذا كانت وسائل التواصل الحديثة باتت تنتشر على نطاق لا تصل إليه حتى الحكومات ولا أعتى المؤسسات الإعلامية والسياسية الدولية فقد وجب التوقف أمام هذه الظاهرة وتقنينها ووضع ضوابط لعملها بحيث لا يُسمح للشركات المُشغِّلة لها بالطغيان وتمرير ما يناسبها وحجب «الآخر». فالجميع تابع كيف حجبت منصات مثل "فيسبوك" و "إكس"، ولاتزال، حسابات أعداد لا تحصى من المؤيدين لفلسطين خلال ذروة حرب الإبادة في غزة وحرمتهم حقهم في إظهار بشاعة الكيان الصهيوني. فقط بعبارة بسيطة، هي "منشورك لا يتوافق مع معايير مجتمعنا". ولا أحد يعرف على وجه الدقة ماهية ذاك «المجتمع» الذي يتحدثون باسمه، ومن الذي منحه حق فرض معاييره على العالم كله، بمن في ذلك الأمريكيون. ويكفي مثالا، ذلك الشاب الأمريكي الذي احتجز لدى عودته من لبنان لأنه انتقد، على حسابه في "فيسبوك"، وزيرا إسرائيليا وليس أمريكيا!
وإذا كان الأمل في إنهاء الطغيان السياسي يبدو بعيد المنال فلا أقل من محاولة وقف الاستبداد الإعلامي والمطالبة بتقديم "فيسبوك" وأخواتها لمحاكمة حقيقة عادلة ووضعها تحت رقابة دولية محايدة، وربما تحت وصاية دولية، كونها باتت كيانات تتجاوز حدود الدول.
لقد آن الأوان لأن يدرك العالم أن المنصات الرقمية الكبرى لم تعد مجرد شركات تكنولوجية، بل أصبحت بنية تحتية عالمية للاتصال والإعلام. وكل بنية تحتية بهذا الحجم والتأثير لا يجوز أن تظل خارج نطاق الرقابة والمساءلة الدولية.
أخيراً.. قبل أكثر من نصف قرن قال مالكوم إكس، «إذا لم تنتبه ستجعلك الصحافة (الإعلام) تكره المظلوم وتحب الظالم»، وقد صدق.
#عصام بيومي essam7@gmail












تأجيل محاكمات 179 متهما في 4 قضايا إرهاب، جلسات جديدة بين أكتوبر...
نظر محاكمة 111 متهما بقضية طلائع حسم.. اليوم
القبض على «إسماعيل دولار» وآخرين بعد شكوى مستأجري كافيه ما القصة؟
بلاغ للنائب العام من نهاد أبو القمصان ضد ( المجلس القومي للرجل...
سعر الدولار اليوم الإثنين 24 أغسطس 2026
أسعار الذهب اليوم الأحد في محلات الصاغة
سعر الدولار اليوم الأحد... 50.80 شراء الأخضر فى بنك البركة
تراجع سعر الذهب خلال تعاملات اليوم السبت