الأحد 30 أغسطس 2026 01:57 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

سماح عزام تكتب : خارج المنافسة

الگاتبة الكبيره سماح عزام
الگاتبة الكبيره سماح عزام

هناك أشياء كثيرة في الحياة تستحق أن نركض من أجلها، وهناك أشياء أخرى تستحق أن نبتعد عنها بهدوء، لأن الإنسان حين يقضي عمره كله في محاولة لإثبات أنه الأفضل، يفقد شيئًا أهم بكثير من فكرة التفوق نفسها؛ يفقد قدرته على أن يعيش حياته كما يريد. وربما كانت أجمل مراحل النضج تلك اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن قيمته لا تحتاج إلى مسابقة، وأن مكانته لا تحتاج إلى مقارنة، وأن حياته تستحق أن تُعاش وفق معاييره هو، لا وفق جدول وضعه الآخرون.
منذ طفولتنا ونحن نعيش وسط مقارنات لا تنتهي؛ هذا أكثر تفوقًا، وهذه أجمل، وهذا أسرع، وتلك أكثر نجاحًا، وهذا حصل على وظيفة أفضل، وتلك تزوجت مبكرًا، وهذا اشترى بيتًا، وتلك سافرت، وهذا أصبح صاحب منصب، وتلك حققت شهرة واسعة. ومع مرور السنوات، تتحول المقارنة من كلمات نسمعها إلى طريقة ننظر بها إلى أنفسنا، فنبدأ في قياس خطواتنا بخطوات الآخرين، ونحسب أعمارنا وفق إنجازاتهم، ونضع أحلامنا على ميزان تجاربهم، ثم نتساءل لماذا فقدت الحياة شيئًا من مذاقها.
الحقيقة أن لكل إنسان توقيته الخاص، وطريقه الخاص، وظروفه التي صنعت شخصيته، وأبوابه التي ستفتح في الوقت الذي يناسب رحلته. هناك من يصل مبكرًا، وهناك من يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يجد الطريق الذي يشبهه، وهناك من يبدأ حياته الحقيقية بعد تجربة قاسية، أو خسارة كبيرة، أو قرار شجاع غيّر اتجاهه بالكامل. الحياة لا تسير بساعة واحدة، والزهور نفسها لا تتفتح في اللحظة نفسها، والشجر لا يمنح ثماره في العمر نفسه، فلماذا نطلب من البشر أن يعيشوا بالجدول ذاته؟
ربما كان جبران خليل جبران سيأخذنا هنا إلى منطقة أكثر عمقًا؛ إلى الإنسان الذي يبحث عن ذاته وسط أصوات العالم، ويحاول أن يسمع صوته الداخلي وسط ضجيج الآراء والأحكام. فالإنسان الذي يعرف نفسه يصبح أقل احتياجًا إلى المقارنة، لأن لديه معيارًا داخليًا يعرف من خلاله أين كان، وأين أصبح، وإلى أين يريد أن يذهب. وعندما يصبح الإنسان صاحب مرآته الخاصة، تتغير علاقته بالآخرين؛ يرى نجاحهم باعتباره نجاحًا يخصهم، ويرى طريقه باعتباره مساحة تخصه، ويصبح قادرًا على الإعجاب بإنجاز شخص آخر دون أن يشعر أن إنجاز ذلك الشخص ينتقص من قيمته.
وهنا تظهر واحدة من أكثر المشكلات التي تستنزف الإنسان في عصرنا؛ تحويل الحياة إلى سباق مفتوح. سباق في الشكل، وفي المال، وفي المناصب، وفي السفر، وفي الممتلكات، وفي عدد المتابعين، وفي الصور، وفي العلاقات، وحتى في السعادة نفسها. أصبح البعض يريد أن يبدو سعيدًا أكثر من أن يشعر بالسعادة، ويريد أن يثبت نجاحه أكثر من أن يستمتع بنجاحه، ويريد أن يرى الآخرين إنجازاته أكثر مما يريد أن يعرف هو قيمتها الحقيقية.
وعندما تتحول الحياة إلى عرض مستمر أمام الآخرين، يصبح الإنسان أسيرًا لنظراتهم. كل خطوة تحتاج إلى تصفيق، وكل إنجاز يحتاج إلى اعتراف، وكل اختيار يحتاج إلى موافقة، وكل نجاح يحتاج إلى شاهد. وهنا تبدأ الحرية الداخلية في التراجع؛ لأن الإنسان الذي يجعل الآخرين حكامًا على قيمته يمنحهم مفاتيح راحته دون أن يشعر.
نيتشه، بروحه الفلسفية الحادة، كان سيضع أمامنا سؤالًا مختلفًا تمامًا: من الذي يحدد قيمتك؟ أنت، أم الجماعة؟ ومن الذي يرسم لك الطريق؟ رغبتك الحقيقية، أم الصورة التي يريد المجتمع أن يراك عليها؟ وهذه الأسئلة تصبح شديدة الأهمية في زمن تتشابه فيه الطموحات، وتتكرر فيه الصور، ويصبح التقليد أسهل من اكتشاف الذات.
أن تكون خارج المنافسة لا يعني أن تتوقف عن التطور؛ على العكس، ربما يكون التطور الحقيقي قد بدأ في اللحظة التي توقفت فيها عن قياس نفسك بالآخرين. يصبح هدفك أن تكون أفضل من نفسك بالأمس، وأن تتعلم شيئًا جديدًا، وأن تصلح خطأً قديمًا، وأن تكتسب مهارة، وأن تنضج في علاقة، وأن تفهم نفسك بصورة أعمق. يصبح السباق الوحيد الذي يستحق طاقتك هو المسافة بين الإنسان الذي كنت عليه والإنسان الذي تستطيع أن تصبحه.
وهنا تقترب الفكرة من عالم تولستوي؛ ذلك العالم الذي يمنح التفاصيل الإنسانية البسيطة قيمة كبيرة. فالإنسان قد يقضي سنوات يبحث عن حياة عظيمة، ثم يكتشف أن الحياة الجميلة كانت في أشياء شديدة البساطة؛ بيت هادئ، قلب مطمئن، شخص صادق، عمل يحترمه، وقت لنفسه، كتاب يحبه، جلسة دافئة مع من يحب، وصباح يستيقظ فيه وهو يشعر أن حياته ملكه.
لقد أصبح السلام الداخلي في زمننا نوعًا من الرفاهية. كثرة الأصوات حول الإنسان تجعله يحتاج إلى مساحة يسمع فيها نفسه، وكثرة الصور التي تعرضها الحياة أمامه تجعله يحتاج إلى أن يعرف الصورة التي يريدها هو لحياته. قد يكون الإنسان ناجحًا جدًا في نظر الآخرين، بينما يشعر داخله بالفراغ، وقد يعيش شخص آخر حياة بسيطة جدًا في نظر العالم، بينما يشعر بامتلاء حقيقي لا تستطيع الأرقام قياسه.
وهنا يأتي السؤال الأهم: ماذا تريد أنت فعلًا؟
السؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحتاج إلى شجاعة كبيرة؛ لأن الإجابة قد تقودك إلى طريق مختلف عن الطريق الذي رسمه الناس لك. قد تكتشف أنك تريد حياة أكثر هدوءًا، أو عملًا أكثر معنى، أو علاقات أكثر صدقًا، أو وقتًا أكبر لعائلتك، أو مساحة للتعلم، أو بداية جديدة. وقد تكتشف أن بعض الأشياء التي ركضت خلفها سنوات طويلة كانت رغبات مستعارة، زرعها المجتمع في داخلك حتى ظننت أنها أحلامك.
وهذه واحدة من أجمل أفكار باولو كويلو؛ فكرة الطريق الخاص. لكل إنسان طريق يحمل حكايته، وكل تجربة فيه تضيف إليه شيئًا. أحيانًا يبدو الطريق طويلًا، وأحيانًا يبدو ملتويًا، وأحيانًا تتغير وجهته بالكامل، لكن قيمة الرحلة تظل في اكتشاف الإنسان لنفسه خلالها.
لذلك، حين ترى شخصًا سبقك في العمر أو العمل أو المال أو الشهرة، تذكر أن المقارنة تجاهلت كل التفاصيل التي صنعت حياتكما. أنت تعرف جزءًا من قصتك، بينما تعرف من قصة الآخر ما يظهر أمامك فقط. قد ترى النتيجة، ولا ترى السنوات التي سبقتها. قد ترى الابتسامة، ولا تعرف المعركة التي عاشها صاحبها. قد ترى النجاح، ولا تعرف الثمن الذي دفعه صاحبه. ولهذا تبدو المقارنة في كثير من الأحيان حكمًا ناقص.

سماح عزام خارج المنافسة مقالات سماح عزام الجارديان المصريه