الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 08:17 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد الشافعي يكتب: لغز هروب أبطال المصارعة والملاكمة وحمل الأثقال خارج مصر؟

الكاتب والمحلل السياسي محمد الشافعي
الكاتب والمحلل السياسي محمد الشافعي

في المشهد الرياضي المصري، تتكرر بصورة مؤلمة وموجعة ظاهرة باتت مألوفة أكثر مما ينبغي؛ فما إن يلمع اسم بطل شاب في المصارعة، أو الملاكمة، أو رفع الأثقال، حتى نتفاجأ بخبر هروبه وتمرده على صفوف المنتخب، لتستقبله دولة أخرى بالأحضان، وتمنحه الجنسية والأموال والرعاية الكاملة، ليحقق على منصاتها المجد الذي ضنت به عليه أرض الوطن ممثلة فى وزارة الرياضة واتحادات الرياضات الفردية .

هذه الظاهرة، في جوهرها، ليست مجرد خروج رياضي عابر، بل هي نزيف حقيقي للثروة البشرية، وصدمة ضمير تكشف عمق الخلل في هيكلة منظومتنا الرياضية، وتطرح تساؤلات مشروعة وموجعة حول التناقض الصارخ بين معاملة "الأبطال الحقيقيين" ومعاملة النجوم المدلعين في رياضات أخرى.

** مفارقة مؤلمة: كرة القدم مقابل الألعاب الفردية

حين نتأمل المشهد، تقفز إلى السطح مفارقة عجيبة ومستفزة للجماهير .. فبينما يغدق على لاعبي كرة القدم الملايين المؤزرة، وتفرش لهم الأرض حريرات، وتحيطهم طائرات خاصة، ورعاية طبية ونفسية وإعلامية غير محدودة، رغم خروجهم المتكرر من البطولات بخفي حنين، نجد لاعبي الألعاب الفردية الذين يحملون أعراق التعب والدموع على كتفيهم ويحصدون الميداليات الأولمبية والدولية يعانون الأمرين من التهميش والإهمال.

لاعب كرة القدم قد يدلل ويحظى بعقود تسويقية خيالية وهو جالس على مقاعد البدلاء، بينما بطل العالم في رفع الأثقال أو المصارعة يبحث عن ثمن وجبة غذائية سليمة تدعم طاقته، أو عن دعم مالي يسدد به التزاماته الأسرية، أو حتى عن صالة تدريب آدمية تليق بـ "بطل أممي" هذا التفاوت الصارخ يطرح السؤال البديهي: لماذا لا يهرب لاعبو كرة القدم؟ والإجابة أبسط من أن تطرح ، لأنهم يسبحون في بحيرة من الذهب داخل الوطن، بينما يترك أبطال الألعاب الفردية يصارعون أمواج الإهمال بمفردهم.

** دوافع الهروب: غياب الرعاية وبحث عن الكرامة

الأسباب التي تدفع هؤلاء الأبطال إلى مغادرة البلاد وخلع قميص المنتخب ليست خفية على أحد، ويمكن تلخيصها في نقاط حاسمة:

• الإهمال المادي والمعنوي: غياب الرواتب الثابتة والمكافآت المجزية التي تتناسب مع حجم التضحيات وساعات الجهد الشاق في صالات التدريب ، كانهم ممارسين للرياضة فقط .

• إغراءات الخارج: تتسابق دول إقليمية وعالمية لاصطياد هذه المواهب، عارضة عليهم رواتب شهرية ثابتة، ومعسكرات تدريبية أوروبية على أعلى مستوى، ومستقبلًا مهنيا وماديا مضمونا لهم ولأسرهم.

• البيروقراطية وسوء الإدارة: التعامل الفوقي والروتيني من قبل الاتحادات الرياضية، وغياب التخطيط العلمي لرعاية الموهبة منذ صغرها حتى الوصول لمنصات التتويج.

• البحث عن الكرامة الإنسانية: شعور الرياضي بأن جهده وتاريخه محل تجاهل، وأن اسمه لا يذكر إلا بعد حصد الميدالية، ليعود بعدها إلى دائرة النسيان.

هل من عودة للوعي أم سنستمر في عد الخسائر؟

إن استمرار هذا النزيف يعني باختصار أننا نبني الأبطال لغيرنا، وأننا ننفق على مراحل التأسيس والصقل الأولى، لتجني دولا أخرى ثمار التتويج.

الحل لا يتطلب معجزة، بل يحتاج إلى إرادة حقيقية لإعادة توزيع الموارد بعدالة، وتخصيص نسبة عادلة من الدعم والرعاية للألعاب الفردية توازي ما يمنهج لكرة القدم، وتوفير مظلة تأمين صحي واجتماعي تضمن للبطل حياة كريمة تبعد عنه شبح الحاجة.

فهل نفيق قبل أن تفقد الرياضة المصرية آخر ما تملكه من أوراق نجاح حقيقية؟ أم سنظل في كل بطولة خارجية نتفاجأ بخبر هروب بطل جديد، ونكتفي بالبكاء على ما فقدناه بأيدينا والندم على ما فرطنا فيهأيضا بأيدينا .

محمد الشافعي هروب أبطال المصارعة والملاكمة وحمل الأثقال خارج مصر؟ الجارديان المصريه