الأحد 6 سبتمبر 2026 12:50 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتبة هدى حجاجي أحمد تكتب: حين يأتي النصرُ متأخرًا… لا يتقاسم المجدَ من غاب عن المعركة

الكاتبة الكبيرة هدى حجاجي أحمد
الكاتبة الكبيرة هدى حجاجي أحمد

ليست كل الانتصارات متشابهة، وليست كل الحروب تنتهي عندما تصمت المدافع. هناك حروب أخرى أطول وأشد قسوة؛ حروب تخوضها الشعوب ضد الفقر، والفساد، والجهل، والخوف، والخذلان، وضد أولئك الذين لا يظهرون إلا عندما تبدأ ملامح النصر في الظهور.

بعض الحروب لا يليق بها الاحتفال.

لأنك حين كنت وحدك في منتصف العاصفة، وحين كان النزيف حقيقيًا، كان هناك من اكتفى بالمشاهدة من خلف الشاشات، ومن انتظر سقوطك، ومن راهن على أن تنهار قبل أن تصل إلى شاطئ النجاة.

ثم، ما إن تبدلت الموازين، حتى خرج المتفرجون من مخابئهم، وبدأ كل واحد منهم يبحث عن مقعد في الصف الأول، وعن صورة بجوار المنتصر، وعن نصيب من المجد لم يدفع ثمنه.

هذه هي السياسة حين تتحول من مسؤولية إلى انتهازية.

ففي أوقات الأزمات، تتساقط الأقنعة سريعًا. تعرف من يقف إلى جوارك عندما تكون الأرض تهتز تحت قدميك، ومن يختار الصمت لأنه ينتظر معرفة اتجاه الريح، ومن يمد يده إليك لا ليسندك، وإنما ليتأكد أنك ما زلت واقفًا.

والأخطر من ذلك أن بعضهم لا يؤلمه سقوط الوطن بقدر ما تؤلمه فكرة نهوضه.

هناك من يستطيع التعايش مع الهزيمة، لكنه لا يستطيع تحمل رؤية خصمه ينتصر. وهناك من يصبح نجاح الوطن بالنسبة إليه هزيمة شخصية؛ لأن انتصار الحقيقة يفضح سنوات من التشكيك، وانتصار الدولة يكشف الذين راهنوا على انهيارها، وانتصار الإرادة الشعبية يسقط حسابات من ظنوا أن الشعوب لا تنهض.

وهنا يظهر الشيطان الذي يسكن النفوس؛ ذلك الجزء المظلم الذي يستفزه مشهد الغلبة والنصرة، لأنه يرى فيه سقوط رهانه القديم.

لكن الوطن لا ينتصر من أجل أن ينتقم.

الوطن ينتصر لكي يستمر.

وهذه نقطة يجب ألا ننساها.

ليس المطلوب أن نحول كل معركة سياسية إلى معركة كراهية، ولا أن نعامل كل مخالف باعتباره عدوًا، ولا أن نصنع من الاختلاف خيانة. فالدولة القوية لا تخاف النقد، والمجتمع الصحي لا يخاف المعارضة، والسياسة الرشيدة لا تحتاج إلى إسكات الأسئلة.

لكن هناك فرقًا هائلًا بين المعارضة الوطنية وبين تحويل أزمات الوطن إلى فرصة للمقامرة بمستقبله.

المعارض قد يختلف، وقد ينتقد، وقد يقول للحكومة: أخطأتم.

أما الانتهازي، فينتظر الخطأ حتى يصفق له.

المعارض يريد إصلاح الطريق.

أما المتربص فيتمنى أن تنهار السيارة.

وهنا علينا أن نعيد تعريف معنى الوطنية.

الوطنية ليست أن تهتف عندما ينتصر الجميع، ثم تختفي عندما يدفع الوطن ثمن أزماته. وليست أن ترفع العلم في لحظة النصر فقط، بينما كنت قبلها تتمنى أن يسقط من يحملونه.

الوطنية موقف.

تظهر عندما تكون الكلفة عالية، لا عندما يصبح التصفيق مجانيًا.

ولذلك فإن الذين لم يحملوا معك ثقل الطريق، لا ينبغي أن يتصدروا مشهد الوصول.

ليس انتقامًا منهم، وإنما احترامًا لمن دفعوا الثمن الحقيقي.

فالذين وقفوا في الصفوف الأولى، والذين تحملوا الخوف، والذين صبروا في أصعب اللحظات، والذين لم يبيعوا موقفهم عند أول اختبار، هم أصحاب الذاكرة الحقيقية للنصر.

أما الذين يبدلون مواقفهم كلما تبدلت الرياح، فلا ينبغي أن تمنحهم السياسة أكثر مما يستحقون.

فالسياسة ليست حفلة تنكرية، والوطن ليس منصة لتوزيع الأدوار.

وإذا كانت هناك أخطاء، فلنحاسب المسؤول عنها.

وإذا كان هناك فساد، فلنواجهه بالقانون.

وإذا كان هناك فشل اقتصادي أو إداري، فلنضعه على طاولة النقاش بالأرقام والحقائق.

لكن لا تجعلوا الخلاف السياسي بابًا لهدم الدولة، ولا تجعلوا الخصومة مع مسؤول أو حكومة تتحول إلى خصومة مع الوطن نفسه.

فالدول لا تبنى بمنطق:

إما أن أنتصر أنا أو يسقط الجميع.

الدول تبنى عندما يكون انتصارها أكبر من الأشخاص، وأبقى من الحكومات، وأقوى من الصراعات العابرة.

ولهذا، حين يأتي النصر بعد سنوات من الألم، لا نحتاج إلى كثير من الضجيج.

يكفي أن ننظر خلفنا، فنرى الطريق الذي قطعناه، ونعرف كم مرة كنا قريبين من السقوط ثم وقفنا من جديد.

احتفل أولًا بالإنسان الذي لم يخنك عندما خذلك الآخرون.

احتفل بالشعب الذي صبر.

احتفل بمن ظل واقفًا عندما كان الوقوف مكلفًا.

واحتفل بالله الذي منحك القدرة على عبور العاصفة.

أما الذين لم يظهروا إلا بعد أن أصبحت الشمس في السماء، فاترك لهم مقاعد المتفرجين.

فالمجد الحقيقي لا يُمنح لمن وصل متأخرًا لالتقاط صورة؛ المجد يُكتب لمن كان حاضرًا عندما كان الثمن غاليًا.

وفي النهاية، سيظل التاريخ أكثر عدلًا من التصفيق.

سيعرف من حمل الراية، ومن حاول كسرها، ومن اختبأ خلف الستار، ومن خرج بعد النصر ليقول: كنت معكم منذ البداية.

والحقيقة لا تحتاج إلى ميكروفون.

يكفيها أن تبقى.

فبعض الحروب لا يليق بها الاحتفال...

لكن يليق بها أن نتذكر جيدًا:

من وقف معنا حين كنا ننزف،

ومن انتظر سقوطنا،

ومن جاء بعد النصر يبحث عن مكان بين المنتصرين.

هدى حجاجي أحمد مقالات هدى حجاجي أحمد حين يأتي النصرُ متأخرًا… لا يتقاسم المجدَ من غاب عن المعركة الجارديان المصريه