الخميس 10 سبتمبر 2026 02:20 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

وصفى هنرى يكتب من فيينا : حكاية شجرة بين ظلال فيينا وحسرة الأغصان…عندما تكون الخضرة شريان الحياة

الكاتب الكبير وصفى هنرى
الكاتب الكبير وصفى هنرى

في كل مرة أتابع فيها الأخبار الواردة عن تجريف الأشجار ومذابح الاشجار التي تطال العديد من الأحياء والشوارع في مدينتي العامرة القاهرة ، ينتابني حزن عميق لا يتعلق فقط بفقدان ظلالٍ وارفة ، بل بفقدان جزء أصيل من ذاكرة المكان وإنسانيته ، فالأشجار ليست مجرد كائنات خشبية تُزَيّن الرصيف، بل هي الرئة التي تتنفس بها المدينة، والملاذ الأخير لروح الساكنة وسط صخب العصر ، مذابح الاشجار التي بدأت بإزالة اشجار ام الشعور الضخمة على كورنيش النيل في نهاية ستينات القرن الماضي والتي كانت احد المعالم والتي كنا نستخدمها كمرجيحة في طفولتنا ، ، حديقة الحيوآن مثال والان يتم ذبح اشجار تاريخيّة وعظيمة وهناك اشاعات بان معاول الهدم تقترب من حديقة الزهرية والأندلس بل والشجرة التي عشنا جميعا في شبابنا قصص حبنا بالزمالك امام برج القاهرة .
على الجانب الآخر من العالم، وفي قلب العاصمة النمساوية فيينا ، تتجلى فلسفة متكاملة تضع الإنسان والطبيعة في مقام واحد ، هنالا تُعد الخضرة رفاهية أو ديكوراً هامشياً ، بل هي عمود فقري لتخطيط المدينة حيث تغطي المساحات الخضراء والحدائق والغابات نحو 50% من إجمالي مساحة فيينا، مما يجعلها واحدة من أكثر عواصم العالم خضرة وجودة للحياة وتكاد تكون نسبة التلوث معدومة .
تنعكس هذه الفلسفة العمرانية بشكل صارخ في الأرقام والإحصاءات ففي حين أن نصيب الفرد من المساحة الخضراء في القاهرة يبلغ أقل من متر مربع واحد للفرد ، فإن نصيب الساكن في فيينا يصل إلى نحو 120 متراً مربعاً لكل إنسان. ، هذا الفارق الشاسع لا يعبر فقط عن مساحات وجغرافية ، بل يختصر الفارق بين مدن تخنق أنفاس قاطنيها ، ومدن تمنح الإنسان حق التنفس والعيش الكريم والمدهش أن الحكومة الفييناوية تسعي لزيادة المساحة الخضراء لتصل الي ٥٢ ٪؜ من المساحة الكلية ، وجدير بالذكر انه مجرم قانونا التعدي علي اي مساحة خضراء او تعلية اي مبنى ولو دور واحد في مدينة الانس .
تتنوع هذه المساحات الخضراء في فيينا بشكل مذهل بدءاً من "حزام فيينا الأخضر" (Wiener Grüngürtel) وغابات " ڤييرڤالد Wienerwald" التي تحيط بالمدينة لتنقية هوائها ، وصولاً إلى المتنزهات الكبرى التاريخية كمتنزه "البراتر" (Prater) الذي يمتد على مساحات شاسعة تجمع بين الطبيعة البكر والمتنزهات العامة.
لكن العبقرية الحقيقية للمدينة لا تكمن فقط في هذه المتنزهات الكبرى ، بل في عدالة توزيع المساحات المفتوحة داخل الأحياء السكنية.
انت هنا لا تحتاج للترحال حتى تجد ملاذاً أخضر فكل حي (Bezirk) في فيينا يضم حدائق صغيرة وميادين مكسوّة بالأشجار والزهور، تُتاح لكل مواطن على بُعد خطوات من بيته .
كذلك تنتشر ملاعب الأطفال والرياضيين وسط هذه الحدائق، مُصممة وفق أعلى معايير الأمان لتستوعب حيوية الطفولة ونشاط الشباب ، كما تحرص المدينة على توفير مسابح عامة مغلقة ومفتوحة (Sommerbäder) في جميع الأحياء ، تُشكل نقطة جذب وصيفاً لطيفاً للسكان، وتتكامل مع الطبيعة المائية لنهر الدانوب الخالد .
إن فيينا تُثبت كل يوم أن الحفاظ على الأشجار وزيادة المساحات الخضراء ليس عائقاً أمام التطور العمراني ، بل هو أساس التنمية المستدامة والجمال الحضري. فالمدينة التي تحترم شجرتها تحترم إنسانها ، والتي تزرع الظل إنما تزرع الطمأنينة والأمل في نفوس أجيالها.
تبقى الأشجار هي الحارس الأمين لجمال المدن ورئتها الخضراء.. ويبقى أملنا دائماً أن نستلهم من هذه التجارب ما يعيد للشارع جماله وللمدينة هويتها الإنسانية .
ايه اللي فاضل عالجنة


#وصفي هنري
ڤيينا. ٣ نسئ ٦٢٦٧
الثلاثاء ٨ سبتمبر ٢٠٢٦