الإثنين 14 سبتمبر 2026 04:20 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب: يا مصر بتعمليها إزاي؟...تنفيذ قرار هدم فرن بلدي ومصادرة محتوياته .

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

في مصر، المواطن بقى محتاج يتعلم فنون البقاء على قيد الحياة، مش بس علشان غلاء الأسعار، ولا علشان مصاريف البيت والمدارس والعلاج والكهرباء والمواصلات، ولكن كمان علشان يعرف إزاي يعيش يومه من غير ما يدخل في مغامرة قانونية وهو بيحاول يوفر لقمة عيش لأولاده!
ومن هنا جاءت حكاية الفرن العجيب، الفرن الذي احتل مساحة متر وربع فقط، لكنه على ما يبدو كان مشروعًا اقتصاديًا ضخمًا يستحق كل هذا الاهتمام!
تم تنفيذ قرار إزالة للفرن المخالف، وتمت إزالته ومصادرة «كروانة عجين» و25 رغيف نص بطّة، والمطرحة والنشابة والعصاية الحديد، بالإضافة إلى 50 قرص جلة قابلة للاشتعال.
وأصحاب الفرن؟!
أول ما شافوا الحملة قرروا تنفيذ انسحاب تكتيكي خارج العزبة، على عربية كارو 4×4 حمار!
وهنا المواطن البسيط، وهو جالس أمام الخبر، ممكن يمسك رأسه ويقول: يا جماعة بالراحة علينا... ده إحنا أصلًا بنجري من غلاء الأسعار!
المواطن المصري بقى بيصحى الصبح وهو عامل حسابه على كل جنيه في جيبه، يفكر في رغيف العيش، وفي كيلو الخضار، وفي فاتورة الكهرباء، وفي مصاريف الأولاد، وفي الدواء، وفي المواصلات، وفي آخر الشهر لما المرتب يكون اختفى قبل ما الشهر نفسه يخلص!
تلاقي رب الأسرة واقف قدام محل البقالة بيعمل عملية حسابية أصعب من امتحان الثانوية العامة:
«لو جبت الزيت، مش هجيب السكر... ولو جبت السكر، هنأجل الشاي... ولو جبت اللحمة، هنعيش باقي الشهر على البطاطس... ولو جبت البطاطس، يبقى ربنا يدبرها في آخر الأسبوع!»
ثم يأتي أحدهم ليقول له: «ما تقلقش... كيلو البطاطس مش غالي أوي».
فيرد المواطن: «هو بالنسبة لمين يا حاج؟!»
المشكلة أن المواطن لا يريد أن يخالف القانون، ولا يريد أن يعيش في الفوضى، ولا يريد أن يعمل شيئًا مخالفًا، لكنه في أحيان كثيرة يبحث فقط عن وسيلة بسيطة تساعده على مواجهة يومه.
فرن صغير في عزبة، مساحة متر وربع، ربما كان بالنسبة لأصحابه مشروعًا متواضعًا لتوفير الخبز وكسب رزق بسيط، وربما كان بالنسبة لبعض أهل المكان وسيلة للحصول على رغيف ساخن بدلًا من رحلة البحث اليومية عن احتياجات البيت.
وطبعًا القانون له احترامه، وأي نشاط يجب أن يكون وفق التصاريح والاشتراطات المطلوبة، خصوصًا إذا كان هناك خطر أو مخالفة، لكن المواطن أيضًا له همومه التي لا يمكن تجاهلها.
لأنك عندما تصادر النشابة، المواطن الغلبان قد يتساءل في نفسه: «يا ترى النشابة دي كانت بتعمل إيه في البلد؟!»
وعندما تصادر 25 رغيف نص بطّة، قد يقول: «طب والرغيف اللي في إيدي أنا؟!»
وعندما يسمع عن مصادرة 50 قرص جلة قابلة للاشتعال، ربما يبتسم ويقول: «يا جماعة إحنا نفسنا بقينا قابلين للاشتعال من غلاء الأسعار!»
المواطن المصري بقى عنده قابلية للاشتعال من الفواتير، وقابلية للاشتعال من مصاريف المدارس، وقابلية للاشتعال من أسعار السلع، وقابلية للاشتعال من إصلاح العربية، وقابلية للاشتعال من فاتورة الطبيب والصيدلية، وقابلية للاشتعال عندما يكتشف أن المرتب خلص ولسه باقي 15 يوم على آخر الشهر!
حتى الأطفال دخلوا في الحسبة.
المدرسة عايزة كراسة، والقلم له حساب، والزي المدرسي له حساب، والمصاريف لها حساب، والدرس له حساب، والمواصلات لها حساب... وفي النهاية الأب نفسه يحتاج إلى «درس خصوصي» في كيفية إدارة ميزانية البيت!
والأم لها حكاية أخرى.
تفتح الثلاجة فتجد نصف كيلو طماطم، بيضتين، شوية جبنة، وبقايا أكل من أمس، ثم تنظر إلى أولادها وتقول في سرها: «يا رب استرها من بكرة».
أما الأب فيخرج من البيت وفي جيبه مبلغ صغير، فيقسمه قبل أن يصل إلى أول شارع:
جزء للمواصلات... جزء للغداء... جزء للطوارئ... وجزء لا يجوز الاقتراب منه لأنه آخر ما تبقى في الجيب!
ثم تأتي الطوارئ فعلًا!
العربية تعطلت!
وهنا يبدأ المواطن رحلة جديدة مع القدر، لأن «العطل البسيط» في مصر ممكن يتحول إلى مشروع قومي يحتاج إلى تمويل من البنك الدولي!
ومع كل هذه الهموم، يظل المواطن المصري قادرًا على الضحك.
ودي أعظم حاجة فيه.
يمر بأزمة ويضحك، يتعب ويهزر، يتزنق ويقول: «ربنا يفرجها»، وتضيق به الدنيا فيخرج منها إفيهًا يجعل كل من حوله يضحك.
ولذلك قصة الفرن والكروانة والنشابة والحمار ليست مجرد واقعة طريفة، لكنها أيضًا مشهد صغير من مسرح الحياة المصرية.
مواطن يحاول أن يأكل ويطعم أولاده، ودولة تحاول تطبيق القانون، وأجهزة تنفذ القرارات، وحمار وجد نفسه فجأة بطلًا في عملية هروب أسطورية، وبين كل هؤلاء يقف المواطن المصري يتفرج ويقول:
«يا جماعة، طب حد يبص لنا إحنا كمان... إحنا عندنا 50 مشكلة قابلة للاشتعال مش 50 قرص جلة.