الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 01:47 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

اسامه محمد يكتب: شوبنهاور في مواجهة العزلة الرقمية

الكاتب أسامة محمد
الكاتب أسامة محمد

حدثنا اليوم عن نافذة من نوافذ العالم الحديث والحاضر ولو ذهبنا إلى القرن التاسع عشر، يتراءى لنا الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور الذي رأى أن العزلة مساحة ضرورية يستطيع الإنسان من خلالها أن يستعيد ذاته بعيدًا عن ضجيج الآخرين.

ولم تكن العزلة عنده مجرد ابتعاد جسدي عن المجتمع بل كانت قدرة على أن يكون الإنسان مع نفسه، وأن يجد في التأمل والتفكير قيمة لا توفرها الحياة المليئة بضجيج الآخرين.
 فحين يبتعد الإنسان قليلًا عن المجتمع يستطيع أن يسمع أفكاره، وأن يراجع ذاته، وأن يكتشف ما يريده بعيدًا عن تأثير الآخرين.

لكن ماذا لو ظهر شوبنهاور في عصرنا الحالي؟ ماذا كان سيقول أمام عالم لا يترك الإنسان وحيدًا ولو للحظة؟ عالم يحمل فيه الإنسان هاتفًا صغيرًا يفتح أمامه ملايين الأصوات والصور والأفكار، ويعيش بين إشعارات لا تتوقف وخوارزميات تعرف عنه أحيانًا أكثر مما يعرف هو عن نفسه؟

لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تمنحنا وهمًا دائمًا بأننا قريبون من الجميع ونتابع حياة الآخرين نتحدث معهم، نشارك صورنا وأفكارنا، ونعيش داخل شبكة ضخمة من العلاقات الرقمية ومع ذلك أصبحت العزلة تأخذ شكلًا جديدًا.

فقد يجلس الإنسان بمفرده داخل غرفته، لكنه في الوقت نفسه يعيش وسط آلاف الأصوات القادمة من هاتفه وهو منعزل جسديًا، لكنه متصل بالعالم رقميًا طوال الوقت. 

وهنا تبدأ المفارقة فالعزلة التي كان شوبنهاور يراها فرصة للعودة إلى الذات، أصبحت أحيانًا وسيلة للهروب من الذات.

فبدلًا من أن يجلس الإنسان مع نفسه ويتأمل، يمسك هاتفه ويبدأ في الانتقال من مقطع إلى آخر، ومن منشور إلى تعليق، ومن صورة إلى إعلان وكلما شعر بالملل بحث عن محتوى جديد يملأ هذا الفراغ.

ومن هنا تظهر إحدى الظواهر المرتبطة بالاستهلاك الرقمي المفرط، وهي ما يعرف بـ التعفن الدماغي.

وهذا يصيب الدماغ بحالة من التشتت والخمول الذهني قد ترتبط بالإفراط في استهلاك المحتوى السريع والمتكرر.

المشكلة ليست في وسائل التواصل الاجتماعي نفسها، وإنما في الطريقة التي نستخدمها بها فعندما يصبح العقل معتادًا على الانتقال السريع بين عشرات المقاطع والمعلومات، قد يصبح التركيز لفترة طويلة أكثر صعوبة، وقد يصبح الصمت والملل أمرين يصعب تحملهما.

وهنا تتغير صورة العزلة تمامًا فالإنسان لم يعد يحتاج إلى الآخرين حتى يهرب من نفسه يكفي أن يفتح هاتفه.

ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف مرحلة جديدة إلى هذه العلاقة و أصبح بإمكان الإنسان أن يجد إجابة فورية عن معظم أسئلته، وأن يتحدث مع آلة في أي وقت.

وهذا أمر يحمل فوائد كبيرة، لكنه يطرح سؤالًا فلسفيًا مهمًا هل تساعدنا التكنولوجيا على التفكير، أم تجعلنا نتوقف عن التفكير بأنفسنا؟

فإذا أصبح الإنسان يعتمد على الخوارزميات في اختياراته، وعلى الذكاء الاصطناعي في أفكاره، وعلى الهاتف في قتل كل لحظة صمت، فقد يفقد تدريجيًا المساحة الداخلية التي يحتاج إليها لكي يفكر بحرية.

لذلك ربما لا تكون المشكلة في العزلة، وإنما في نوع العزلة التي نعيشها. 
فشوبنهاور كان يبحث في العزلة عن الإنسان أما إنسان العصر الرقمي فقد يجد نفسه منعزلًا عن الآخرين، لكنه غارق في العالم الرقمي.

وربما تكون أخطر عزلة اليوم هي أن تجلس وحدك، ولكنك لا تستطيع أن تكون مع نفسك.

ففي زمن يمتلئ بالأصوات، قد يصبح الصمت فعلًا من أفعال المقاومة وقد تصبح العزلة الواعية وسيلة لاستعادة العقل من ضجيج العالم واستعادة الإنسان من نفسه التي كاد أن يفقدها.

اسامه محمد شوبنهاور في مواجهة العزلة الرقمية الجارديان المصرية ⇧