الثلاثاء 3 نوفمبر 2026 05:37 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب : تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (26)

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

إن الحث على العمل في الإسلام ليس ترفا كى يتسلّى به المرء ، وليس مكانة أدبية كى يتفاخر به البعض ، وليس من المندوبات كى يتوانى عنه الناس ! بل إن العمل في الإسلام واجب من الواجبات ، بل يحاسب عليه المرء أمام خالقه ، ألم 
تسأل نفسك : من الذى خلق تلك الأرض التي تمشى عليها ؟ ومن خلق السماء التي تستظل بها ؟ ومن خلق تلكم الخلائق التي تشاهدها صباحا ، ومساءا  ؟ لن يدعى أحد من الإنس ، ولا الجن بأنه قد خلق شيئا من ذلك على الإطلاق !  ولكن ستجد الإجابة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار في كتاب الله الخالق، فيدّعى الخالق بما لا يدع مجالا للشك ، بأنه هو الخالق الأوحد الذى خلق جميع 
المخلوقات ، ويعاتب البعض لإنكارهم ذلك ! فقال "قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ 
الْأَرْضَ فِي يوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لهُ أندَادًا ۚ  ؟ ! ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِين * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِين * ثُمَّ 
اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين" بل حث البشرية على العمل ، وطلب منهم عمارة الأرض .. زراعة ، وصناعة ، واقتصادا ، و .. ألخ من مجالات الحياة ؟ ! حيث قال "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ
الْأَرْضِ واسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" وليس هذا فحسب ، بل وصف الذى لا يعمل ، بأنه 
شخص فاسد ، فقال " لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا" كما تجد أن جميع أنبياء الله ، ورسله ، لم يكونوا من العاطلين عن العمل ، بل لديهم حرف يعملون 
بها ؟ بل كانوا متميزين في حرفهم ، ابتكارا ، وإبداعا ، ولم يكونوا تقليدين في
أعمالهم ، وحرفهم ، فأعطى الله ثلاث نماذج من هؤلاء الأنبياء في كتابه ، 
فيقول "واذكر عبادنا إبراهيم ، وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار" ولذا حث
رسولنا ﷺ البشرية جمعاء على العمل ، ولا سيما في ذلكم الحديث الذى قال فيه "إن قامتِ السَّاعةُ ، وفي يدِ أحدِكم فسيلةٌ ، فإن استطاعَ أن لا تقوم حتَّى يغرِسَها 
فليغرِسْها" وهذا في حال قيام الساعة ، فما بالكم بغيرها من الأوقات ؟ ! ثم
بأسلوب منطقىّ ، ورياضىّ ، لنحسب تلك الحسبة ، إذا زرع المرء منا فسيلة واحدة في اليوم .. إذن سيكون عدد الفسائل في العام الواحد ثلاثمائة ، وخمسة وستين فسيلة ، وهذا هو عدد أيام العام البسيط ،  فهذه هي فضيلة العمل ، نعم هذه هي لغة الأرقام ، والأرقام لا تكذب أبدا . وإذا تأملنا معا في قوله ﷺ "وفي يدِ أحدِكم فسيلةٌ" أي أن الشخص ممسكا 
بالفسيلة بيده ، ولم يتركها حتى في أحلك الأوقات ! وكأن الرسول ﷺ يقول :تمسّكوا بأعمالكم حتى آخر لحظة من حياتكم ..كما أن زراعة الفسيلة نموذجا واحدا من نماذج الحرف ، والمهن .. فلا يستقيم مجتمع من المجتمعات أن يعيش بمهنة واحدة فقط ! .. إذن يمكن أن نستنبط بوجوب كل صاحب مهنة ممسكا بيده أدوات مهنته .. فالطالب يجب أن يكون ممسكا ، وملازما لقلمه ، وكراسته 
، ومذاكرته ، والمعلم يجب أن يكون ملازما لعلمه ، وخلقه ، والعامل ، والتاجر ،والموظف ، والطبيب ، والمهندس ، وألخ من سائر الحرف ، والمهن ، والوظائف
، فيا ترى : ماذا سيكون حال الفرد ، والمجتمع ، والأمة ، والعالم بأسره ؟ !
أليس ذلكم هو قمة التحضر ، وسمو الرقىّ ، وأعلى التقدم ، فما أعظمه من رسول ﷺ الذى يحث العالم بأسره على ذلكم التحضر ، والتقدم ، والرقىّ !

زكريا سليمان تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (26) الجارديان المصرية ⇧