جمال المتولى جمعة يكتب : كيف واجهت الصين شبح الإدمان ؟ تجربة تستحق الدراسة فى مصر
تعد التجربة الصينية في مكافحة المخدرات واحدة من التجارب التي تستحق الدراسة والاهتمام ليس فقط بسبب ضخامة عدد السكان الذى يتجاوز 1,4 مليار نسمة وإنما بسبب التحول التاريخي الذى شهدته البلاد فى التعامل مع هذه الأفة بعدما عانت لسنوات طويلة من انتشار الأفيون وما أرتبط به من تدهور اجتماعي واقتصادي وتدخلات استعمارية خارجية
فالصين التي عانت في القرن التاسع عشر من حروب الأفيون استطاعت بعد قيام جمهورية الصين الشعبية 1949 أن تبدأ حملة واسعة لمواجهة زراعة الأفيون والاتجار فيه وتعاطيه مستندة الى قوانين صارمة وحملات أمنيه وتعبئة مجتمعية وبرامج للتوعية والعلاج , لكن التجربة الصينية لم تتوقف عند المواجهة الأمنية بل تطورت على مدار العقود لتصبح منظومة متكاملة تجمع بين الردع القانوني والرقابة التكنولوجية والوقاية الاجتماعية وإعادة التأهيل . وينص القانون الجنائي الصيني على عقوبات تصل الى السجن لمدة 15 عاما أو السجن المؤبد أو الاعدام في حالات محددة تتعلق بكميات كبيرة أو ظروف مشددة لجرائم الاتجار والتهريب والتصنيع .ولا تقتصر السياسة الصينية على معاقبة تجار المخدرات بل تتضمن منظومة للتعامل مع المتعاطين تشمل العلاج المجتمعي والتأهيل وقد تشمل العزل الإجباري فى مراكز متخصصة وفق لشروط قانونية محددة .وتتضمن برامج التأهيل الطبي والنفسي والتدريب البدني والمهني الى جانب متابعة الحالة بعد الخروج من مراكز العلاج بهدف الحد من الانتكاسة وإعادة دمج المتعافى في المجتمع .وهذا يوضح أهمية التمييز بين التاجر الذى يحقق أرباحا من تدمير حياة الاخرين والشخص الذى وقع ضحية الإدمان ويحتاج الى العلاج والمساندة . ومن الجوانب اللافتة في التجربة الصينية توظيف التكنولوجيا الحديثة فى مكافحة المخدرات اذ تستخدم الصين قواعد بيانات متخصصة لمتابعة قضايا المخدرات والمشتبه بهم والمواد المضبوطة وتستفيد من تقنيات تحليل المعلومات لتحديد الأنماط الاجرامية ومتابعة تحركات شبكات التهريب . كما تستخدم مراقبة مياه الصرف الصحي وتحليل عيناتها لرصد مؤشرات استهلاك بعض المواد المخدرة في مناطق جغرافية معينة وهى وسيلة علمية تساعد على تقييم انتشار التعاطي وتحديد المناطق التي تحتاج الى تدخلات وقائية وأمنية , وتولى السلطات اهتماما خاصا بمراقبة المنافذ الحدودية والموانئ والمطارات والطرود البريدية لمواجهة اساليب التهريب المتغيرة , وتدرك الصين ان الاجهزة الامنية وحدها لا تستطيع القضاء على مشكلة المخدرات ولذلك تعتمد على حملات توعية واسعة تستهدف المدارس والجامعات والأسر ومؤسسات المجتمع . وتسعى هذه الحملات الى تعريف المواطنين بمخاطر المخدرات وطرق الوقاية منها وتشجيع الأسر على اكتشاف مؤشرات التعاطي مبكرا وتعزيز دور المؤسسات التعليمية فى حماية الشباب . فالمواجهة الحقيقية تبدأ قبل وصول المخدر الى يد الشاب من خلال بناء الوعى وتحصين النشء وتوفير بيئة اجتماعية صحية .
فى ظل التحديات التي تواجهها المجتمعات بسبب انتشار المخدرات التقليدية والمستحدثة والاقراص المخدرة والمؤثرات العقلية تبرز مجموعة من الدروس التي يمكن الاستفادة منها فى تطوير منظومة مكافحة المخدرات فى مصر .
- مواجهة التجار والمروجين بحزم : من خلال تطوير أليات ملاحقة شبكات الاتجار والتهريب ومصادر التمويل وتطبيق القانون على كل من يثبت تورطه في تدمير حياة الشباب .
- احكام الرقابة على تداول الادوية: عبر تطوير منظومة الكترونية متكاملة لتتبع الأدوية والعقاقير ذات التأثير النفسي والعصبي بدءا من من مراحل التصنيع والاستيراد وحتى صرفها للمريض لمنع تسريبها الى الاسواق غير المشروعة .
- التوسع في مراكز العلاج والتأهيل : من خلال توفير مراكز علاج متخصصة ومؤهلة نفسيا وطبيا واتاحة العلاج بصورة تحفظ كرامة المريض وتساعده على التعافي والعودة الى المجتمع .
- استخدام التكنولوجيا الحديثة: بالاستفادة من قواعد البيانات والتحليل الرقمي ومراقبة المنافذ ودراسة تطبيق وسائل الرصد العلمي ومنها تحليل مياه الصرف الصحي وفقا للضوابط القانونية وحماية الخصوصية .
- حماية المدارس والجامعات : من خلال ادخال برامج توعية مستمرة حول مخاطر المخدرات وعدم الاكتفاء بالمحاضرات الموسمية أو الحملات المؤقتة
- توفير فرص عمل للشباب : ودعم الانشطة الرياضية والثقافية والتدريب المهنى وفتح مسارات حقيقية للعمل والابداع حتى لايجد الشباب انفسهم فريسة للفراغ أو رفاق السوء أو شبكات الاستغلال .
ان الدرس الأهم من التجربة الصينية ليس مجرد تغليظ العقوبات أو تكثيف الحملات الأمنية وإنما بناء منظومة متكاملة تبدأ بالوقاية وتمر بالمواجهة القانونية والعلاج والتأهيل وتنتهى بإعادة دمج المتعافى فى المجتمع .
واذا كانت الصين قد تعاملت مع هذه القضية باعتبارها قضية أمن قومي ومجتمعي فإن حماية شباب مصر من هذا الخطر تستحق ان تكون أولوية وطنية تتضافر من أجلها جهود الدولة والاسرة والمدرسة والجامعة ومؤسسات المجتمع المدنى فمستقبل الاوطان لا يبنى بالقوانين وحدها , وانما ببناء الانسان وحمايته وتوفير الفرص التى تضمن له حياة كريمة وأمنه بعيدا عن شبح الإدمان .
# جمال المتولى جمعة
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا












24 نوفمبر.. الحكم على 3 متهمين بخلية العجوزة
تأجيل استئناف عريس البراجيل على حكم سجنه 10 سنوات لـ 13 ديسمبر
السجن المشدد 15 سنة لقاتل زوجته بسبب حملها بـ”أنثى” فى سوهاج
ضبط ربة منزل وابنتيها بتهمة التعدي على جارتهم وأسرتها بالضرب في الدقهلية
تأجيل استئناف المتهم بإجبار شاب على ارتداء ملابس نسائية على حكم سجنه...
أسعار الذهب اليوم الأحد 25 أكتوبر 2026.. عيار 21 بـ6280 جنيها
ثبات سعر الدولار مقابل الجنيه فى البنوك اليوم الخميس
سعر الدولار في البنوك والسوق السوداء اليوم الجمعة 2 - 10 -...