الجمعة 21 يونيو 2024 10:03 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الومضه التاسعه والعشرون ( جزء ثان).

الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز يكتب : عريضه اتهام

الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز
الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز

كان يقف في حجره الاعدام زائغ البصر، بأذنيه صمم لايسمع مايُتلي عليه في عريضه الاتهام، وفجأه تذكر اباه وتذكرعصر ذالك اليوم البعيد وهو يصطحبه لاول مره الي حلاق الحاره يجهز نفسه قبل دخول المرحله الابتدائيه، في ذالك اليوم غاصت يده الصغيره في يد اباه الكبيره حتي بلغا الاثنين محل الحلاقه ، كرسي الحلاقه رغم كبر حجمه لايتسع للاب وابنه ، لذا نزع الحلاق اليد الصغيره من اليد الكبيره وعلي خشبه استعرضت الكرسي الكبير اجلسه ، ومنذ ذالك الوهله ادرك الطفل الصغير ان اباه اضحي ماضيا خلفه لايري صورته الا في المرايا،انزعج الطفل انزعاجا شديدا من جلسته الغريبه علي خشبه الحلاق وكأنه مُسجي علي خشبه الغُسل ، تلكم الخشبه التي رأها من قبل وهو يختلس النظر اليها من بين أرجل الكبار ممسكا بطرف بنطال ابيه الذي كان يتابع غُسل ابيه ويتمتم ببعض ايات من القرآن، لم يستطع الطفل الاستقرار علي الخشبه وهو في هذا السن الصغير ، وتراءت امامه صوره جده المُسج بلا حراك لايستطيع القفز ، بينما هو يستطيعه الان ، وفي حركه اضحكت الحلاق واباه قفز الطفل من علي الخشبه وعاد للامساك وإحتضان يد اباه الذي فهم مراد ابنه ، انه لم يحن وقت وحدته بعد ، وعلي الفور رُفِعت الخشبه مؤقتا وجلس الاب علي مقعد الحلاقه يحمل ابنه علي رجليه ، مرت الحلاقه علي مايرام وقرصه هنا وقرصه هناك والطفل المتبرم يلعن تلكم الاقامه المقيده حتي انتهي الحلاق من قص شعر الطفل الطويل جدا ، ثم استل احد الامواس الحاميه من احد الادراج واقترب به من رقبه الطفل الذي تململ في حجر اباه ، وخيل اليه ان الحلاق سيذبحه، فلوي رقبته مطالعا وجه اباه يشكو له تاره وينظر الي النصل الامع في يد الحلاق تاره اخري ،هدأ الاب من روع الطفل واقنعه انه يراقب الحلاق جيدا فلاداع للخوف! تلكم الخوف الذي سيطر علي اذنيه الان في حجره الاعدام فأصيبت بالصمم وبات ينظر الي حركه فم ملقي العريضه وكأنه الببت شو ، ولكن لما التذكر والزكريات الان ؟ فهذا الموقف الذي يقفه الان امام المشنقه سيطر عليه وحش الخوف بعدما تلقف جميع الوحوش الصغيره والكبيره وصار يقف امامه كالمارد في حجره الاعدام ، ولما يتذكر اباه الان وهو يقف وحيدا في حجره الاعدام ؟ هل اباه قادر علي هزيمه ذالك الوحش القابع بداخله والذي يلتهم منه مخزون الامان التهاما في تلكم اللحظه العصيبه، هل اباه يعلم انه برئ وانه لم يقتل ولم يسرق ولكن زلته الوحيده كانت حبه ومعاشرته لرفاق السوء الذين خلو به واسلموه الي حبل المشنقه! لقد ضرب الابن بنصيحه اباه عرض الحائط مرارا وتكرارا، والتي لو قبلها وعمل بها لأصبح الان حرا طليقا خارج حجره الاعدام لايستعجل الموت ،رباه لما قفزت الي مخيلته ذكريات اول حلاقه؟ واول قطع للرقاب !ومراقبه الاب لقاطع الرقاب حتي حمي بحنانه الجارف رقبته من القطع ، اشارات العهد القديم والطفوله تبشر بالخير في هذا اليوم العصيب وقد بدأ عشماوي تجهيز المشنقه التي سوف تجتز رقبته بعد دقائق معدودات ريثما ينتهي ملقي العريضه من اتهامات برئ منها ، ولكن يبقي الامل في الله وفي الهاجس الابوي الذي سيطر علي وحش الخوف فأهمد صولجانه فتقدم بشجاعه الي المشنقه بثبات وسط ذهول الحاضرين .
كانت المشنقه تعمل بكفاءه وجربها العشماوي اكثر من مره ، هو الان يُحكم لف الحبل حول رقبه المذنب ويغادر المكان الي ذراع الموت ليحركه قليلا فيجتث رقبه شقي حاره السلطان ، ضغط العشماوي علي الذراع فلم يستجيب له وكأن يدالاب تعمل في اتجاه مغاير لحركه الزراع، تعجب عشماوي فهذه المره الاولي الذي يخونه فيها ذراع الموت ، فلايعمل ويجتث الرقاب، اذا فليحاول مره اخره ، وبعد عده محاولات خرج عشماوي من حجره الاعدام ليبلغ الحاضرين ان المشنقه قد تعطلت وعليه ان يُعيد المذنب الي زنزانته بعد ان تعلطت الماكينه ، وعلي الفور حل بالنفوس المحيطه الارتياح و تعالت في جنبات حجره الاعدام وحجره تنفيذ الاحكام همهمات الحمد ، وقام صاحب عريضه الاتهام بطي صحيفته ، فالمتهم الذي نجت رقبته من حبل المشنقه لايحتاج الان الي السطر الاخير منها ، فمازال هناك في صحيفه عمره سطورا اخري لابد من استكمالها ، في ذالك اليوم تأثر عشماوي ايما تأثر وتقاعد بعدها مباشره وقرر بفلوس المكافأه فتح محل حلاقه.