الإثنين 15 يوليو 2024 11:11 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الدكتور كمال يونس يكتب : المسرح التجريبي.. بين الشفافية والدجل

الدكتور كمال يونس
الدكتور كمال يونس

الكبوة التي تعانيها الحركة المسرحية ظاهرة للعيان ، من غلبة الأعمال الهابطة التي يقدمها مسرح الدولة ، مما اضطر القائمين عليه محاولة تجاوزها بعد أن استشرت وفاحت رائحتها التي تزكم الأنف ، وبدت مظاهرها ، إلي تقديم الأعمال التي سبق تقديمها بنظام الريبورتوار ، كمحاولة لاسترداد الجمهور الذي أعرض عن الإنتاج المسرحي الغث ، حيث أدت السياسات المرتجلة ، والتي كانت ترعي مصالح مجموعة بعينها ، من المتكسبين من مسرح الدولة ، نظرا لما يشوب تقديم الأعمال الجديدة من خلل فني وغموض الرؤية والاستغراق في التغريب ، ناتج عن سوء فهم للجمهور واهتماماته ، ورداءة اختيار وعبث في التعامل مع النصوص المسرحية ، مع الإطاحة بآمال أسماء جديدة لمؤلفين جادين بعدم تقديم أعمالهم ، لينتهي الوضع بتقديم أسماء لمؤلفين راحلين عن عالمنا ، أو أحياء يعيدون تقديم أعمالهم ، مع عدم توافر الرؤية الآنية الواعية ، والمستقبلية ـ طبعا ـ للحفاظ علي هذا الفن الخالد من الاندثار ، ناهيك عن تردي المسرح الخاص وارتفاع سعر تذكرته وتكلفته وتفاهة ما يقدمه ، واختلاط الحابل بالنابل في الحركة النقدية بكثرة الكاتبين عن المسرح في الصحافة الفنية ، وتشابك المصالح ، ليبرز مصطلح النصوص الضاغطة ، والابتزاز بالقلم ، ومقبرة النصوص ، أو المتاهة ( بيت جحا للنصوص المسرحية ) ، مع تقعر اللغة للنقاد من خريجي معاهد النقد وعدم قدرتهم علي مخاطبة الجمهور العادي ، حتى أنه يتردد مصطلح عروض النخبة ، كمرادف للأعمال التي تستهوي المتقعرين من النقاد ، والتي لا يقبل الجمهور علي الأعمال التي تلقي إعجابهم ، لأنهم افتقدوا التواصل مع الجمهور ، والتزموا أبراجهم العاجية ، متهمين الجمهور بتردي الذوق وتدني الاهتمامات ، وتسابق الفضائيات في جذب اهتمام الجمهور ، إلي أزمة اقتصادية خانقة مع تناقض وتضارب السياسات وترنحها واهتزاز مفاهيمها في ظل الظروف المحيطة بالأمة العربية ، ومردودها علي أحاسيس الفرد ومشاعره ، من إحساسه بالضياع والحيرة ومخاوفه من ذوبانه وضياع الهوية في عالم العولمة .
ولا يخفي أن هوجة مصطلح المسرح التجريبي ، التي حملت في طياتها تمردا علي شكل المسرح التقليدي ، دون أن يتوافر لمن تبنوا فكرته العلم الكافي بأصول وقواعد وماهية التجريب ، وحسب الجميع أن مباركة الدولة للمسرح وخاصة بعد أن أصبح له في مصر مهرجانا سنويا ، وصفه وزير الثقافة فاروق حسني بقوله: " إننا نقيم كل النشاطات الدولية إيمانا باستقبال الرؤى القيمة المستحدثة كي تتعامل مع الرؤى المصرية ، ليتم التحريض علي الإبداع المعاصر ، الذي نحتاجه كي يخدم في النهاية ملامح الوطن الأساسية ، وهي التراث والحضارة "، ولكن قوله : " علي المسرح ألا يكون أسيرا للجمهور ، بل عليه أن يتجاوزه ، ويحاول الناس اللحاق به " ، يتناقض بشدة مع قول د.حسن عطية : حينما يستهدف المبدع التجريب ، فهو يستهدفه لتحقيق غاية التواصل مع الجماهير ، لا بهدف المشاركة في احتفاليات المهرجان فحسب ، وإلا فقد التجريب معناه ، وفقد مهرجانه السنوي من ثم كل مبرر لوجوده.
فاندفع جمع غفير متهور غير مدرك للعواقب من هذا التناول الجامح وأثره علي الحركة المسرحية ككل بمباركة رسمية " ليرقصوا علي السلالم لا اللي فوق شافوهم ولا اللي تحت" ، وقدموا سيلا من الأعمال وصفها سعد أردش بقوله : " كثير من العروض التي يقدمها الشباب والهواة تخلو من اللغة الصحيحة" ، والناقد الإيطالي " فرانكو كودري" عن الأعمال التي رآها في الدورة الأولي للمهرجان عام 1988: وربما لا تعاوننا كثيرا العروض التي تعرض هنا تحت مظلة مهرجان المسرح التجريبي ، ربما لا تساعدنا كثيرا علي توضيح مقومات ما نسميه بالتجريب ، ذلك أن معظم هذه العروض تقدم نوعا من أنشطة الشباب المسرحية ، وتقوم علي عناصر مسرحية شديدة الفقر ، حيث نستطيع أن نجد أفكارا من المسرح الفلكلوري ، أو نوعا من مسرح التجسيد والتشخيص ، أو إعدادات موسيقية من نوعيات المسرح الجاري في العالم ، أو نوعا من العروض التي تغذيها الحضارة التليفزيونية ، ومن هنا فإننا نواجه ظاهرة عروض تعكس علينا المعني الحرفي للتجريب ، ولا تقدم لنا الأعماق الإنسانية والعلمية لمعني التجريب .وقول الناقد المغربي عبد الكريم برشيد : "هناك فى بعض الأحيان سوء فهم بين بعض المسرحيين الذين يعتبرون أن كل فن أصيل هو مسرح ، وغير المفهوم هو التجريب ، ومن هنا يحدث خلط كثير "،
التجريب المسرحي من وجهة نظري هو البحث الدؤوب عن ابتكار وإبداع في تقديم الصورة المسرحية ، بغية إثراء العرض المسرحي فنيا وفكريا ، لإبراز مضمون العرض ورسالته ، وتسهيل وصوله لحواس الجمهور في أفضل صورة ، لإحداث حالة من التفاعل والتواصل معه ، وليس الاستعلاء عليه ، أو اتهامه بالخلل ، والجمود ، والرجعية ، ومن ثم القصور والخلل فى الذائقة الفنية ، التي يعتبر الارتقاء بها هو هدف أساسي لمبدعي فن المسرح جميعا ، الكاتب ، المخرج= السينوجراف ( مصمم مشاهد العرض وتشكيلاته ) ، الممثل ، الموسيقى ، مصمم الملابس ، الماكيير ،...إلخ ".
إذن فالتجريب عبارة عن محاولات مدروسة لتحديث تناول مفردات العرض ، في إطار من التقاليد المسرحية الأساسية الراسخة ، التي لابد من العلم بها، قبل التهور بإعلان الحرب عليها ، ومبادرتها العداء ومطاردتها وتهميشها ، وهو فن خاصة من يتوفر لديهم الاهتمام والدافع ، يعرض فى حضرة خاصة من المهتمين بالمسرح ، ومكانه معاهد الفنون المتخصصة ، ليتم الحكم على التجارب الإبداعية واعتماد الصالح منها ، قبل عرضها على الجمهور، الذي انصرف بشكل مروع ومخيف عن العروض مسرح الدولة في مصر ، حتى وقت قريب جدا ، ظنا منه أن ما سيراه هو مسرح تجريبي أو تهويمى أو تهبيلى.
واللائمة تقع على عاتق المسرحيين الشباب ، الذين ركبوا الموجة ظنا منهم أنها تتم بمباركة الدولة ، في محاولة لإيجاد مسرح موازى أو بديل لمسرح الدولة ، فاندفعوا مهرولين سابحين وهم يجهلون العوم ، مع هوجة التجريب ، متحولين لمقلدين أغبياء لا يدركون خطورة وسلبيات مسلكهم هذا على فن المسرح وجمهوره ، ليتحول التجريب في غالبيته إلى معاول هدم للبنية المسرحية المتعارف عليها لدى الجمهور ، دونما محاولة بذل جهد في استحداث وابتكار وتطوير تقنيات يأخذها الغرب عنا ، بل قنعوا كما هو الحال والواقع في كل العلوم بالنقل والتقليد الأعمى فقط ، وانحصر ما قدموه على تقديم التراث بأسلوب غربي التناول بغموض وتغريب شديد ، وقد ظنوا أن التجريب هو الإطاحة بالأسس المسرحية ، وتقاليدها سواء من ناحية البنية المسرحية أو الفتك بالكلمة ليعلنوا موت المؤلف ، و لجئوا إلى ما يسمى العمل الجماعي في كتابة النص ، إذ يشرعون في التنفيذ قبل أن تكون لديهم نصوصا مسرحية يعملون من خلالها ، فمنهم من يستغني عن الكلمة كلية ، ويستبدلها بالصمت ، والإيماءات، معليا قيمة التعبير بالجسد والرقص فوق قيمة الكلمة التي هي أساس التخاطب ، متجاهلين أن هناك فن الباليه ، والتمثيل الصامت .
وانصرف الجمهور عن عروض المسرح التجريبي لفرط غموضها ، وذلك لأن القائمين علي المسرح التجريبي لم يضعوا في حسبانهم نوعية الجمهور المستهدف ليشاهد تلك العروض ، التي هي أشبه ببحث علمي فني ، مفترض له أن يعرض على جمهور من النخبة الفنية العلمية ، المعروف عنها اهتمامها بالجماهير وتفاعلها معه ، على أسس من خبرة عميقة بالمسرح العلم والفن ، ولكن التكثيف والتهليل والنفاق والزيف الإعلامي بكافة وسائله طارد الجمهور ، وطرده وأففه وأثار سخطه ، فما كان من الجمهور خاصة الشباب إلا العزوف عن تلك الفوضى السخيفة المتهورة المندفعة لا يلويها شيء ، ولم يهتم القائمون على التجريب بالجمهور والتواصل معه ، ولم لا فهم الفارضين له من مواقع سلطتهم الوظيفية، والمهيمنون على شؤون فن المسرح.
ما كنا بحاجة إلى تلك الهوجة من التخريب المشين للحركة المسرحية بدعوى التجريب ، خاصة بعد أن فقدت المسارح هويتها ، وملامحها ، على الرغم من أنه لدينا في مصر مسرح الطليعة وهو المعنى بكل ما هو ممكن أن يستجد ويبتكر في العملية المسرحية ، بل وأضفنا إليه مسرح الشباب والغد والهناجر ، والثمرة كان مزيدا من بعد وتباعد وتبعيد الجمهور عن المسرح، وسيطرة هوس التجريب على عقل شباب المسرحيين دونما جدوى أو قيمة ابتكروها فنيا وفكريا.
وتناسى الجميع أن متابعة العروض المسرحية كفيل أن يؤكد أو يثبت جدوى استخدام تقنية ما مبتكرة وتقبل الجمهور لها ، في استخدام عاقل رشيد بعيدا عن الجموح ، فلا يخلو عرض مسرحي من محاولة فنية ابتكارية ،وعلى سبيل المثال مسرحية الملك لير لأحمد عبد الحليم والتعامل مع الديكور الرمزي التجريدي ، ومستويات الخلفية المتعددة وروعة استخدامها في مسرحية "اعترافات مجنونة" لسمير العصفوري ، والتزاوج والتجانس بين تقنيات الجرافيك ، وحسن التعامل معها ، ومع مفردات الديكور في "القضية 2..7" لحسن الوزير، واستخدام المسرح ككل من أول الدخول إلى صالة العرض والتحامها بالخشبة في "مأساة الحلاج" لأحمد عبد العزيز ،والتفاعل الحي بين الجمهور والعرض وروعة التناول وسرعة الإيقاع المسرحي والاستفادة من التقنيات الحديثة " اللعب فى الدماغ لخالد الصاوى بمسرح الهناجر ، والمزاوجة بين فن العرائس والتمثيل البشرى "حارة عم نجيب" لأحمد حلاوة ، وتوظيف خيال الظل للتغلب على ضيق مساحة الخشبة " كيد النسا" لعادل أنور ، ورمزية التقنية الفنية " الشبكة" لسعد أردش ، والبراعة فى استخدام عناصر المسرح التقليدي فقط دون اللجوء إلى تقنيات الفيديو والجرافيك " رصاصة في القلب" لحسن عبد السلام ، الذى يرى أن الإبداع المسرحي يجب أن ينبثق من خلال أدواته التقليدية وحسن توظيفها ، حتى أنه قدم أغاني العرض لأنغام وعلى الحجار برؤية رائعة يمكن أن نطلق عليها "التياترو كليب", ونجح فى التجديد والتجريب باستخدام الوسائل التقليدية.
ومن الملاحظ أن كل التجديد والإبداع فى تلك العروض الناجحة التي ذكرتها لمخرجين من جيل الرواد والأساتذة ، ولمخرجين من اجيال الوسط ، والجيل الجديد ، إنما شملت سينوجرافيا العرض ، مع احترم للنص ، والتعامل معه بفهم وفن ووعى ، وقدم ابتكارات فنية ، وجمل إبداعية جديدة.
لذا فأنني أرى أن التجريب عمل متواصل مستمر دؤوب ، وله أهله من المبدعين بحق وليس من كذابى الزفة ( أدعياء الفن ) ، فليقم له مهرجانه كل عدة سنوات ، ونوفر ما ينفق سنويا على تجديد المسارح وتطويرها وبناء مسارح جديدة فى دعم للبنية المسرحية،.يعلن عن موعده بفترة كافية ، وعلى المهتم والجاد أن يبحث علميا وفنيا فيما يريد أن يقدمه ، ولديه الوقت من منطلق التأني كمراعاة لسياسة الكيف ، وليس الكم والثرثرة والقرع على الطبل الأجوف ، ويكون محله أكاديمية الفنون ومسرح الطليعة والشباب والغد والهناجر ، فيختار مما قدمته أفضل العروض فنيا ، بعدما تحول التجريب إلى شعوذة ودجل وسبوبة وثرثرة مؤذية.