السبت 10 يناير 2026 11:00 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور علاء الحمزاوى يكتب : قيمــة الاحـترام

دكتور علاء الحمزاوى
دكتور علاء الحمزاوى

ــ من القيم الإنسانية السامية قيـمة "الاحترام"، وهو تقدير الناس وحسن الأدب معهم علاقة ومعاملة، وأعلاه التوقير وهو التعظيم والتبجيل والإجلال، وهو ما أمرنا الله به في علاقتنا بالله ورسوله، فقال تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}، فالتسبيح التنزيه وهو خاص بالله؛ لأنه منزَّه عن كل نقص وعيب، والتعزير التأييد بالنصر والقـوة، والتوقير الإجلال والتعظيم، وضمير الهاء فيهما يصلح أن يكون لله أو للرسول؛ فكلاهما أهل للتأييد والإجلال، والاحترام سمة حضارية وعلامة على الرقي الإنساني؛ لذا أصدرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو بيانا بمجموعة قيم مشتركة بين الإنسانية يجب أن تتصف بها الشعوب منها قيمة الاحترام، وهنا تبرز عظمة الإسلام فقد كان سبَّاقا في أنه ألزم المجتمع بالتحلِّي بالاحترام ولاسيما مع الكبار سِنًّا أو مقاما، فجاء في الحديث «أَنزلُوا النَّاسَ مَنَازلَهم» أي أعطوا كل إنسان حقه من الاحترام، ولما دخل سعد بن معاذ على اليهود في حضور النبي قال لهم النبي: «قوموا لسيدكم»، ولم يفرِّق الإسلام في الاحترام بين المسلم وغيره، فكان النبي يكتب لملك الروم: «من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم»، فيعطيه مكانته العالية تقديرا وتوقيرا له، ووقف النبي لجنازة يهودي احتراما لإنسانيته.
ــ ومن الاحترام عدم التدخل في خصوصيات الناس، قال الله: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، فهذا نهي صريح عن المساس بخصوصياتهم والتدخل في شؤونهم، فالمعنى: لا تقل في الناس ما لا تعلمه؛ فيكون كلامك لغـوا أي باطلا؛ فتخرج عن دائرة الإيمان؛ لأن من صفات المؤمنين {وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}، وأكدت نصوص كثيرة احترام خصوصيات الآخرين، كقول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا}، وفي الحديث: «يَا معشرَ من آمنَ بلسانِه ولم يدخلِ الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمين ولا تَتبَّعوا عوراتِهم؛ فإنه من اتبَّعَ عوراتِهم يتبَّع اللهُ عورتَه، ومن يتبَّعِ اللهُ عورتَه يفضحْه في بيتِه»، وهذا التوجيه الكريم نابع من رؤية الإسلام بأن الحرية الشخصية حـق لكل إنسان ما لم يمس الآخرين بسوء، ومن الاحترام عدم إيذاء مشاعر الآخرين كأن يُقِيم شخصٌ شخصًا من المجلس ليجلس مكانه؛ فنهى النبي عنه قائلا: «لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِن مَقْعَدِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فيه، ولَكِنْ تَفَسَّحُوا وتَوَسَّعُوا» فهذا نفي يحمل دلالة النهي، وجاء التحذير القرآني {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}، فالإيذاء هنا عام يدخل فيه إيذاء المشاعر.
ــ من مظاهر الاحترام أن نسمح للآخر بالاختلاف معنا في الرأي والفكر والمعتقد؛ فتعدد الآراء واختلاف الأفكار أمر إيجابي محمود؛ لذا قال القرآن: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}، ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة؛ فقد كتب أول دستور مدني يقـرُّ مبدأ الاختلاف مع التعايش السلمي، فيجب أن نستمع للآراء والأفكار المختلفة وأن نتعامل معها بإنصاف وموضوعية وصولا إلى حوار بنَّاء يسهم في تقدم الأمة، ولا يدخل في احترام الرأي الآخر هدم الثوابت المجتمعية؛ لذا قاوم الإسلام من البداية كل فكر منحرف متطرف محمَّل بقيم سلبية هدامة يمينية أو يسارية.
ــ ومن مظاهر الاحترام الحفاظ على حياة الإنسان كرامته، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}، فهذه الجملة القرآنية تحمل أسمى مظاهر الترغيب في احترام حياة الإنسان وصيانة كرامته؛ حيث شبَّه الله إحياء نفس واحدة بإحياء المجتمع كله تقديرا لحرمة النفس، ومعنى {أحياها} أنه تسبَّب في حمايتها وإنقاذها من الهلاك، ومن مظاهر الإنقاذ التبرع بالدم، فهو من أعظم القُرُبات وأفضل الصدقات، هو من الإحسان الذي أمر الله به المؤمنين فقال: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وهو أعظم من التبرع بالمال؛ لأن المتبرع بالدم يجود بجزء من نفسه في إنقاذ حياة إنسان، والتبرع بالدم أعظم صدقة أو هدية يقدمها الإنسان لغيره بشرط عدم الإضرار بنفسه، ولا يجوز أن يبيع الإنسان دمــه لنهي النبي عن ثمن الدم، لكن لا حرج أن يأخذ المتبرع مكافأة أو هدية ما دام أن التبرع قد تــمَّ بغير اشتراط.
ــ وإذا كان الاحترام واجبا لعموم الناس فإنه أوجب لثلاث فئات منهم يأثم المرء إذا أساء الأدب في حقهم: الفئة الأولى: الآباء والأمهات فقد قال الله فيهم: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}، والفئة الثانية: الحكام ولاة الأمر فطاعتهم واجبة وإن منعوا الحقوق، ففي الحديث «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلَّا أن يؤمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة»، والفئة الثالثة: العلماء فهم أكثر الناس خشية، {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ}، إن احترام هذه الفئات من شعائر الله {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}، إن احترامهم طاعة وعبادة.

دكتور علاء الحمزاوى قيمــة الاحـترام الجارديان المصرية