الثلاثاء 13 يناير 2026 11:50 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتبة الروائية هدى حجاجى أحمد تكتب : الذكاء الاصطناعي والإنسان: شراكة التقدّم أم اغتراب المعنى تمهيد

الكاتبة الروائية هدى حجاجى أحمد
الكاتبة الروائية هدى حجاجى أحمد

لم يعد الذكاء الاصطناعي فكرة مستقبلية أو ترفًا تقنيًا، بل صار جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، يتسلّل بهدوء إلى العمل، والتعليم، والإعلام، وحتى العلاقات الإنسانية. وبين الانبهار بقدراته المتسارعة، والقلق من تمدّده غير المنضبط، يقف الإنسان أمام سؤال وجودي عميق: هل الذكاء الاصطناعي أداة في يد الإنسان، أم قوة تعيد تشكيله على صورتها؟

أولًا: من الأداة إلى الشريك

في بداياته، وُجد الذكاء الاصطناعي ليكون أداة مساعدة، تختصر الوقت، وتخفّف العبء، وتزيد الكفاءة. غير أن تطوّره السريع نقله من موقع الأداة الصامتة إلى موقع الشريك الفاعل في اتخاذ القرار.

صار الخوارزم يرشّح، ويقيّم، ويتوقّع، وأحيانًا يحكم. ومع هذا التحوّل، تراجع الدور الإنساني من صانع القرار إلى مراقبه، أو منفّذه، مما يثير سؤالًا أخلاقيًا حول حدود التفويض، ومن يتحمّل مسؤولية النتائج حين تخطئ الآلة.

ثانيًا: المعرفة بلا حكمة

يملك الذكاء الاصطناعي قدرة هائلة على جمع البيانات وتحليلها، لكنه يفتقر إلى الحكمة؛ تلك القدرة الإنسانية على الفهم، والتأمل، والموازنة بين المعطيات والقيم.

المعرفة التي لا يرافقها وعي أخلاقي قد تتحوّل إلى خطر، خاصة حين تُستخدم في توجيه الرأي العام، أو تصنيف البشر، أو التنبؤ بسلوكهم. هنا، لا تكمن المشكلة في التقنية ذاتها، بل في غياب الإطار القيمي الذي يضبط استخدامها.

ثالثًا: الإنسان بين الكفاءة والتشييء

أحد أخطر آثار الذكاء الاصطناعي هو نزوعه إلى اختزال الإنسان في أرقام وسلوكيات قابلة للقياس. يُقيَّم الفرد وفق إنتاجيته، وسرعته، وامتثاله للنمط، لا وفق إنسانيته أو فرادته.

ومع الوقت، يخشى أن يتعلّم الإنسان أن ينظر إلى نفسه بالطريقة ذاتها: كملف بيانات، أو نتيجة خوارزمية، لا ككائن معقّد، متناقض، وقابل للخطأ والنمو.

رابعًا: الإبداع… هل هو آخر الحصون؟

يثير دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجالات الإبداع قلقًا مضاعفًا. فحين تكتب الآلة، وترسم، وتؤلّف، يُطرح السؤال: ما الذي يتبقّى للإنسان؟

غير أن الإبداع الإنساني لا يقوم فقط على إنتاج النص أو الصورة، بل على التجربة، والألم، والذاكرة، والذات. ما تنتجه الآلة هو محاكاة ذكية، أما المعنى الحقيقي فيظل مرتبطًا بإنسان يشعر، ويخطئ، ويتغيّر.

خامسًا: السلطة الخفيّة للخوارزميات

الخطر الأكبر لا يكمن في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل فيمن يمتلكه ويديره. فالخوارزميات ليست محايدة، بل تحمل في داخلها تحيّزات مصمّميها، وأجندات الجهات التي توظّفها.

وحين تُستخدم هذه الأدوات دون شفافية أو مساءلة، تتحوّل إلى سلطة خفيّة تعيد تشكيل الوعي، وتوجّه الاختيارات، دون أن يشعر الإنسان بأنه خضع لأي قسر مباشر.

سادسًا: نحو علاقة إنسانية مع التقنية

ليست المشكلة في التقدّم، بل في فقدان السيطرة عليه. المطلوب ليس رفض الذكاء الاصطناعي، ولا الارتماء الكامل في أحضانه، بل بناء علاقة واعية، تضع الإنسان في المركز، والقيم في الصدارة.

علاقة تُعيد تعريف النجاح، لا بوصفه سرعة وكفاءة فقط، بل قدرة على الحفاظ على المعنى، والرحمة، والمسؤولية.

خاتمة

الذكاء الاصطناعي مرآة للإنسان؛ يعكس طموحه، وقلقه، وتناقضاته. وإذا لم يُرافق هذا التقدّم وعيٌ أخلاقي عميق، فقد نصنع أدوات تتفوّق علينا، لا ذكاءً، بل تأثيرًا.

يبقى السؤال مفتوحًا: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي لنوسّع إنسانيتنا، أم نسمح له أن يعيد تعريفنا وفق منطقه البارد؟

الكاتبة الروائية هدى حجاجى أحمد الذكاء الاصطناعي والإنسان: شراكة التقدّم أم اغتراب المعنى تمهيد الجارديان المصرية