السبت 17 يناير 2026 07:01 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

سماح عزام تكتب: الأسرة المُهمِلة… تهزَم التعليم وتهدَّد الأمن القومي.

الكاتبة سماح عزام
الكاتبة سماح عزام

ليس من الظلم في شيء أن نُحمِّل المعلّم وحده إخفاق العملية التعليمية، لكن الظلم بعينه أن نُشيح بوجوهنا عن الحقيقة الأكثر قسوة، وهي أن الأسرة المُهمِلة قادرة على نسف أعظم مجهود تعليمي مهما بلغ وعي المعلّم، ومهما امتلك من خبرة وكفاءة، ومهما توفرت للمدرسة من إمكانات وتجهيزات.
إن التعليم في جوهره شراكة متكاملة بين ثلاثة أطراف لا يقوم أحدها دون الآخر: معلّم واعٍ، ومدرسة منظمة، وأسرة مسؤولة. فإذا اختلّ ضلع واحد من هذا المثلث، انهار البناء كله، ودُفِع الثمن من مستقبل الأجيال، لا من دفاتر التحصيل وحدها.
المعلّم ليس ساحرًا، ولا التعليم معجزة فردية. يُطالَب المعلّم اليوم بأن يُعلِّم ويُربّي ويُقوِّم ويحتوي ويُبدِع ويُنافس التكنولوجيا ويُصلِح آثار التفكك الأسري، ثم يُحاسَب وحده على نتائج لم يكن مسؤولًا عنها منفردًا. كيف يُطالَب من لا يرى الطالب إلا ساعات محدودة يوميًا أن يُصلِح ما أفسدته سنوات من الإهمال داخل البيوت؟
الأسرة المُهمِلة لا يُقصد بها فقط الأسرة الغائبة عن أسوار المدرسة، بل كل أسرة غابت عن المتابعة، وتخلّت عن الحوار، وأهملت بناء القيم، وسلمت أبناءها للشاشات، ثم وقفت تطالب المدرسة بالنتائج. هي أسرة تريد تفوقًا بلا انضباط، ونجاحًا بلا جهد، وشهادة بلا إنسان.
وحين تتحول الأسرة من شريك إلى خصم، تبدأ الكارثة الحقيقية. فالتقليل من شأن المعلّم أمام الأبناء، والتشكيك في قراراته، والطعن في أساليبه، يهدم هيبته في وعي الطفل، ويُسقط أي قيمة للتوجيه أو التقويم. كيف يُربّي من هُدِمت صورته؟ وكيف يُقنع بالقيم من جُرِّد من الاحترام؟
الطفل الذي يرى تناقضًا صارخًا بين البيت والمدرسة، ينمو مرتبك الانتماء، ضعيف الضمير، بارعًا في التلاعب، لأنه تعلّم مبكرًا أن المسؤولية قابلة للتنصل، وأن الخطأ يمكن تبريره، وأن السلطة منقسمة.
ولا يقف أثر هذا الإهمال عند حدود الفصل الدراسي، بل يمتد ليصيب الدولة في صميم أمنها القومي. فالتعليم ليس شأنًا تربويًا فحسب، بل هو قضية أمن قومي بامتياز، لأن العقول التي تُهمَل اليوم داخل البيوت، هي ذاتها التي ستتحرك غدًا في فضاء الوطن بلا وعي ولا انتماء ولا إدراك لحجم المخاطر.
الطالب الذي ينشأ بلا متابعة أسرية، وبلا انضباط، وبلا قيم راسخة، يكون أكثر عرضة للانحراف الفكري، وأسهل اختراقًا بالشائعات، وأضعف مقاومة للتطرف، وأقل ولاءً للدولة. وهنا تتحول الفجوة التعليمية إلى ثغرة أمنية، ويتحوّل الإهمال الأسري من خطأ خاص إلى تهديد عام.
الدولة التي تُنفق المليارات على التعليم، وتُدرِّب المعلّمين، وتُطوِّر المناهج، لا يمكن أن تحصد ثمارًا حقيقية في ظل أسر تنسحب من مسؤوليتها. فالفشل التعليمي المتراكم يُنتج بطالة، وجريمة، وتفككًا اجتماعيًا، وتراجعًا في الوعي العام، وهي جميعها عناصر تُضعف الدولة من الداخل دون حاجة إلى عدو خارجي.
ومن أخطر نتائج الإهمال الأسري على المدى البعيد، إنتاج مواطن لا يحترم القانون لأنه لم يتعلم الانضباط في بيته، ولا يؤمن بالمسؤولية لأنه اعتاد التبرير، ولا يُقدّر قيمة الدولة لأنه لم يتربَّ على فهم دورها. وهنا يصبح الأمن القومي مهددًا بسلوكيات داخلية قبل أي خطر خارجي.
من هذا المنطلق، لم تعد مسألة إلزام الأسرة بمتابعة التلميذ داخل المنزل رفاهية تشريعية، بل ضرورة وطنية. فالقوانين التي تُحمِّل الأسرة مسؤولية المتابعة التعليمية، وتُلزم أولياء الأمور بالتواصل المنتظم مع المدرسة، وتُجرِّم الإهمال الجسيم، ليست قوانين قمعية، بل قوانين حماية للمجتمع والدولة والمستقبل.
إن تفعيل هذه القوانين، وربطها بآليات واضحة للمساءلة، يُعيد التوازن المفقود للعملية التعليمية، ويُجبر الأسرة على العودة إلى موقعها الطبيعي كشريك أصيل لا كمُشاهد يكتفي بالشكوى. فالدولة لا تحمي أمنها القومي بالسلاح وحده، بل تحميه بعقول متعلمة، وضمائر يقظة، وأسر واعية.
التعليم هو خط الدفاع الأول عن الدولة، وبناء الإنسان هو أعقد مشروع وطني في أي أمة. ومن يظن أن إهمال الأسرة شأن خاص، يجهل أن هذا الإهمال هو الشرخ الأول في جدار الأمن القومي. فالأوطان لا تُهزم فقط في ميادين القتال، بل تُهزم حين يُترك العقل بلا توجيه، والضمير بلا قيم، والطفل بلا متابعة.
قد ينجح معلّم عظيم في إنقاذ طالب، لكن أمة لا تُنقَذ إلا بأسرة واعية. ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار لدور الأسرة، وتفعيل القوانين الرادعة للإهمال، واحترام المعلم كشريك وطني، ليست مطالب تربوية فقط، بل واجبات سيادية لا تحتمل التأجيل.
فإذا أردنا دولة قوية، فعلينا أولًا أن نُصلِح البيت.
وإذا أردنا تعليمًا ناجحًا، فعلينا أن نُحمِّل كل طرف مسؤوليته كاملة بلا مواربة.
أما الاستمرار في تحميل المعلم وحده نتائج تقصير الجميع، فهو أقصر طريق لهزيمة التعليم… ومن بعده الوطن.

سماح عزام الأسرة المُهمِلة… تهزَم التعليم وتهدَّد الأمن القومي. الجارديان المصرية