السبت 17 يناير 2026 03:38 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد خليفة يكتب : المواربة وضياع الحقوق

الكاتب والباحث الكبير محمد خليفة
الكاتب والباحث الكبير محمد خليفة

لا تضيع الحقوق دائمًا بفعل قرار صادم أو ظلم صريح بل كثيرًا ما تتآكل ببطء، تحت غطاء المواربة ذلك الأسلوب الذي يتقنه بعض المسؤولين حين يختارون ألا يقولوا الحقيقة كاملة وألا يواجهوا المشكلة كما هي فيتحول الغموض من سلوك فردي إلى نهج مؤسسي يدفع ثمنه من لا يملكون سلطة الالتفاف ولا رفاهية الصمت.
في كثير من المؤسسات، لا يكون المسؤول جاهلا بحجم المشكلة ولا غائبا عن آثارها بل حاضرًا بوعي كامل لكنه يوارب يراوغ في القرار يؤجل الحسم يوزع الوعود بدل الحلول ويستبدل الوضوح بعبارات مطاطة لا تلزم أحدًا بشيء ومع كل يوم تأجيل تضيع حقوق وتتراكم مستحقات ويصبح الظلم أمرًا اعتياديًا لا يثير دهشة.
المفارقة أن هذه المواربة لا تكون دائمًا بدافع سوء النية تجاه العاملين بل كثيرًا ما تنبع من خوف أعمق الخوف على الكرسي فالمسؤول الموارب لا يريد صداما ولا يتحمل تكلفة قرار جريء ولا يغامر بفتح ملف قد يكشف خللا يحسب عليه فيختار السلامة الشخصية على حساب العدالة المؤسسية، ويبقي الوضع كما هو حتى وإن كان فاسدًا أو ظالمًا.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـالحضور الزائف حضور في الاجتماعات توقيع على الأوراق تصريحات عن المتابعة والحرص لكن دون أي فعل حقيقي مشكلات تناقش مرارًا دون حلول جذرية وحقوق تذكر في التقارير دون أن تصل لأصحابها يصبح المسؤول موجودًا شكليًا، غائبا فعليا، ويدار الفشل تحت ستار الانشغال والعمل المتواصل.
هذا الحضور غير الجاد لا يخلق فقط أزمات ومخاطر إدارية بل يضرب الثقة في مقتل حين يرى العاملون أن المطالبة بالحق لا تؤدي إلا إلى مزيد من التسويف يتراجع الإحساس بالانتماء ويحل محله شعور بالعجز أو اللامبالاة وحين تهدر المستحقات بلا مبرر واضح يصبح الظلم قاعدة والعدل استثناء مؤجلا.

في مؤسسات كثيرة، تتكرر الصورة مستحقات مالية معلقة ترقيات مجمدة عقود غير منصفة شكاوى محفوظة في الأدراج وكل ذلك لا لغياب القوانين أو اللوائح بل لغياب الإرادة الصريحة لتطبيقها المواربة هنا لا تحمي المؤسسة بل تستنزفها ببطء وتخلق بيئة عمل مشحونة بالتوتر والشك والاحتقان الصامت.
الأخطر أن المواربة تقدم أحيانا على أنها حكمة إدارية أو إدارة هادئة للأزمات والمخاطر بينما هي في حقيقتها تهرب من المسؤولية فالحكمة لا تعني الهروب والهدوء لا يبرر تعطيل الحقوق. الإدارة الحقيقية تبدأ بالوضوح وتستمر بالمواجهة وتنضج بالقرارات الصعبة لا بالمواقف الرمادية.
ضياع الحقوق ليس حدثا مفاجئا بل نتيجة متوقعة لمسار طويل من التجاهل المقنع وكل مؤسسة تسمح للمواربة أن تحل محل الشفافية وللحضور الزائف أن يحل محل الفعل إنما تمهد بنفسها لانفجار أزمات وخطر أكبر قد لا تنفع معها كل محاولات التجميل المتأخرة.
وتبقى الحقيقة البسيطة الحقوق لا تضيع فجأة بل تضيع حين يدار الظلم بصمت ويغطى الفشل بالمواربة ويقدم الكرسي على الإنسان.


# كاتب المقال: محمد خليفة... مستشار التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر

محمد خليفة المواربة وضياع الحقوق الجارديان المصرية