الثلاثاء 3 مارس 2026 04:45 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عصام بيومي يكتب: حرب إيران وصراع الهيمنة.. خيوط متشابكة!

الكاتب الكبير عصام بيومي
الكاتب الكبير عصام بيومي

لم تضيّع أمريكا ترامب وقتا في الإجابة عن السؤال الذي ختمت به مقالي السابق. اختارت طوعا، فيما يبدو، أن تدخل "فخ ثيوسيديدس" بمشاركتها إسرائيل في الحرب على إيران. قد يظن البعض أن إيران ليست بالحجم الذي يجعلها ذلك الخصم الذي تنطبق معه مواصفات أو شروط فخ ثيوسيديدس، وإيران فعلا قد لا تكون كذلك، لكنها تملك مقومات ذاتية واستقطابية قد توقع أمريكا فعليا في ذلك الفخ لاحقاً.
وأقول لاحقاً لأن الأحداث الجارية لا يتوقع أن تنتهي في الفترة الراهنة وهي ليست وليدة اللحظة الراهنة. ذلك أن لها تاريخا وخططا قديمة يتطلب تحقيقها فترات زمنية ستأخذنا شئنا أم أبينا إلى المستقبل. وهو وإن كان ما يزال مجهولا فإن ملامحه موجودة في الماضي.
أشرت سابقا ضمن مقالات تغطية طوفان الأقصى إلى أن ما ترتكبه إسرائيل من إبادة جماعية في غزة ليس جريمة منعزلة وإنما جزء من مخطط واسع للسيطرة ضمن ما تسميه مشروع إسرائيل الكبرى. وأوضحت أيضا أن هذا المشروع بدوره جزء مما بات يعرف الآن بمشروع "باكس جودايكا" أو باكس يهودا والتي تعني الهيمنة الصهيونية العالمية. وأشرت إلى أن كثيرا ممن يسمون فلاسفة ومفكرين، ينتمون بالولاء للكيان الصهيوني، ومنهم صمويل هنتنجتون وفوكوياما وبيرنارد لويس، مهدوا لذلك المشروع. وكان أحدثهم نشرا هو الجنرال المتقاعد رالف بيترز بأطروحته التي سماها "حدود الدم" ونشرها في مجلة الجيش الأمريكي عام 2006.
اليوم أضيف مزيدا من التفصيل والتأكيد على أن مشروع الهيمنة الصهيونية هذا لم تتوقف خطواته الفعلية على مدى العقود السبعة الماضية. هنا نعود إلى التاريخ الذي سيوضح لنا الحاضر والمستقبل المتوقع معا. في العام 1957 أصدر الكاتب الهندي كرانجيا خورشيدجي، كتابا بعنوان "خنجر إسرائيل". كان ذلك من واقع حوار أجراه مع وزير الحرب الإسرائيلي، حينها، موشي ديان. تضمن الكتاب خططا صهيونية كشفها ديان للسيطرة على العديد من الدول العربية بعد تقسيمها وتفتيتها واحتلالها عسكرياً. وعندما أبدى الصحفي الهندي استغرابه لديان من كشفه مثل هذه الخطط كان رد ديان: لا تخف فالعرب لا يقرأون. ومنذ ذلك الحين رسمت خطط وصدرت كتب ودراسات معلنة، كلها تستهدف تنفيذ ذلك المشروع، لكن أحدا في عالمنا العربي لم يلتفت لها فعلا بما تستحق من الاهتمام، لتواصل إسرائيل تنفيذ خططها الإجرامية تحت سمع وأعين الجميع.
هنا نعود إلى نظرية "أفول الهيمنة" من جديد لنقول إنه بينما تتجه أنظار الكثيرين إلى الصين أو روسيا- ومعهما إيران كساحة استدراج- كخصم مرجح تواجهه أمريكا ضمن "فخ ثيوسيديدس"، نجد أن الخصم الحقيقي لأمريكا هنا هو إسرائيل نفسها- الحليف المفترض- وهي التي تقدم نفسها تدريجيا بديلا ووريثا ل"الليفاياثان" أو "الفتوة" الأمريكي. هذا الأمر بدأ يتنبه له البعض في الداخل الأمريكي، منهم سياسيون مثل توماس ماسي، ومنهم إعلاميون مثل تاكر كارلسون وكانديس أوين، وأنا كاسباريان. وهذا الفريق الإعلامي المستقل بالذات يردد صراحة، ما يشبه الاستغاثة، من أن إسرائيل تحتل الولايات المتحدة، وهو أمر لا يخفيه كثير من الصهاينة أنفسهم بل ويتفاخرون به.
هنا تتداخل الأفكار والمعاني ففي حين يعمل الإعلاميون الأمريكيون المستقلون على إيقاظ الشعب الأمريكي ضد الدولة العميقة التي تسيطر على القرار الأمريكي لمصلحة الهيمنة الصهيونية العالمية، فإن الفوضى التي يمكن أن تحدث نتيجة ذلك هي بحد ذاتها ما يمكن أن تستغله تلك القوى الصهيونية لتنفيذ مخططاتها. فالفوضى هي كل ما يحتاجه الصهاينة للانقضاض على خصومهم سواء في الشرق أو في الغرب. فكلهم بالنسبة لهم أغيار ويجب سحقهم واستعبادهم بحسب شرائعهم الفاسدة. وخططهم المشار إليها تهددها بشكل كبير فضيحة جزيرة إبستين التي لا تمثل جريمة أخلاقية لأمريكا كدولة بقدر ما تفضح تلك النخب الصهيونية التي كانت بالفعل تباشر تنفيذ برنامجها للحكم العالمي ممثلا في "إعادة الضبط العالمي"، من خلال رقمنة الحياة البشرية، الهوية، والعملة والأخلاق، لتقديم نفسها كبديل مهمين يملك سلاح الهيمنة الجديد وهو التكنولوجيا المتفوقة والذكاء الصناعي. لكن جاءت فضيحة إبستين لتعرقل ذلك كله وتسبب تصدعا داخليا لا يستهان به.
لا يعني هذا أن الولايات المتحدة على وشك الانهيار، بل تخبرنا نظرية أفول الهيمنة أن لحظات التحول العالمي غالبًا ما تُصاحبها انقسامات داخلية حادة، لأن إعادة تعريف الدور العالمي تستلزم إعادة تعريف العقد الاجتماعي. والعقد الاجتماعي الجديد الذي تطرحه النخب لم يعد بعد الفضيحة مجرد هوية رقمية وعملة رقمية عالمية وعالم روبوتي، بل اتضح أنه ذبح عالمي وأكل لحوم بشر عالمي وفساد عالمي!
هنا، نعيد قراءة نظرية أفول الهيمنة في ضوء فضيحة إبستين. فقرار "الدستورية" الأخير بإلغاء "جمارك ترامب" لا يعبر فقط عن صراع بين النخب واتجاه بعضها للتخلي عنه، بل عن تآكل الثقة الشعبية في تلك النخب. وحين تتداخل أسماء من الحزبين في الفضيحة كخاضعين لإبستين، وتتشابك العلاقات بين السلطة والمال والمشاهير، يصبح سؤال الشارع الأمريكي: من يحكم فعلاً؟ هنا تتآكل شرعية النظام برمته، نتيجة تراكم شعور بأنه يخدم شبكات مغلقة أكثر مما يخدم الجمهور. وهذا ما قد يؤدي إلى فوضى شعبية شبهها الكاتب السويدي مالكوم كايون بأنها مثل أجواء ما قبل الثورة الفرنسية "عندما لا يشعر الناس أن الإمبراطورية تعمل من أجلهم"، معتبرا أن الغرب كله يتجه نحو انهيار كارثي. هنا نفهم أن الحرب على إيران ليست مسألة طارئة، ونفهم أن إصرار الكيان على التعجيل بها، وراءه شبح إبستين.

عصام بيومي [email protected]

عصام بيومي حرب إيران وصراع الهيمنة.. خيوط متشابكة! الجارديان المصرية