السبت 17 يناير 2026 04:52 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتبة الروائية ھدى حجاجي أحمد تكتب : حين يصبح الخيال مرآة المجتمع

الكاتبة الروائية ھدى حجاجي أحمد
الكاتبة الروائية ھدى حجاجي أحمد

القصة ليست اختراعًا من فراغ، بل هي خيالٌ مستوحى من الواقع، يُعاد تشكيله عبر حساسية الكاتب ورؤيته للعالم. وكلما غاص الكاتب في نمطيات المجتمع، في عاداته المعلنة والمسكوت عنها، في تناقضاته اليومية وصراعاته الخفية، كلما عثر على كنوز فكرية حقيقية تصلح لأن تكون مادة سردية ثرية، نابضة بالحياة، وقادرة على ملامسة القارئ بصدق.

المجتمع ليس كتلة صلبة واحدة، بل فسيفساء من القيم، والمعتقدات، والرغبات، والمخاوف. والكاتب الحقيقي هو من يلتقط هذه الشظايا المتناثرة، ويعيد ترتيبها في نصٍّ يمنحها معنى أعمق من مجرد الحكاية. فالقصة هنا لا تكتفي بسرد حدث، بل تكشف بنية التفكير الجمعي، وتطرح أسئلة قلقة حول الإنسان وموقعه بين ما يشتهيه وما يُفرض عليه.

ولعل تجربة نجيب محفوظ مثالٌ بالغ الدلالة في هذا السياق. لم يكن محفوظ كاتب فضائح ولا صادمًا بمعناه السطحي، بل كان واعيًا تمامًا لطبيعة المجتمع الذي يكتب عنه. حين تناول موضوع الجنس، لم يقدّمه بوصفه غريزة عارية، بل غلّفه بنمط المجتمع نفسه، كاشفًا عن التناقض الحاد بين الرغبة الإنسانية والعقيدة، بين ما يُمارَس في الظل وما يُحرَّم في العلن. الجنس عند محفوظ لم يكن غاية، بل أداة فنية لفهم القهر، والكبت، والنفاق الاجتماعي، وازدواجية المعايير.

بهذا المعنى، يصبح الخيال وسيلة لكشف الحقيقة، لا للهروب منها. فالكاتب لا يخترع شخصياته بقدر ما يستعير ملامحها من الشارع، من البيوت القديمة، من المقاهي، من الحوارات العابرة، ومن الصمت الطويل الذي يسكن الوجوه. وكلما اقترب من المجتمع دون أحكام جاهزة، ازدادت قدرته على النفاذ إلى جوهر الإنسان.

إن الغوص في نمطيات المجتمع لا يعني تكرارها، بل تفكيكها. والكنز الفكري لا يُعثر عليه في السطح، بل في المناطق الرمادية: حيث يتصارع الإيمان مع الشهوة، والتقاليد مع الحرية، والخوف مع الرغبة في التمرد. هناك، تحديدًا، يولد الأدب الحقيقي.

ومن هنا، فإن القصة الناجحة هي تلك التي تجعل القارئ يرى مجتمعه من زاوية جديدة، وربما يرى نفسه عاريًا من الأقنعة. خيالٌ مستوحى، نعم، لكنه خيال مشغول بالوعي، ومسؤولية السؤال، وشجاعة الاقتراب من المحظور دون ابتذال أو ادّعاء.

هكذا تتحول الكتابة من فعل سردي إلى فعل معرفي، ومن متعة آنية إلى أثرٍ باقٍ، لأن الكاتب حين يعثر على كنوز مجتمعه، يمنحها لغة، ويمنح القارئ مرآة لا تكذب.

المجتمع بوصفه مختبرًا للخيال

حين نمعن النظر في التجارب السردية الكبرى، ندرك أن المجتمع ليس مجرد خلفية للأحداث، بل هو مختبر حقيقي للخيال. فيه تتكوّن الشخصيات، وتتشكّل دوافعها، وتتصادم أحلامها مع الجدران غير المرئية التي تفرضها السلطة، والدين، والعرف، والخوف. الكاتب الذي يراقب مجتمعه بعمق لا يحتاج إلى حبكات مفتعلة؛ فالحياة اليومية نفسها تعجّ بالدراما، وبالأسئلة المؤجلة التي تنتظر من يكتبها.

إن النمطيات الاجتماعية، مهما بدت مكرورة، تحمل في داخلها مفارقات ثرية. الفقر ليس حالة اقتصادية فحسب، بل بنية نفسية؛ والتديّن ليس طقسًا ظاهريًا فقط، بل صراع داخلي بين المثال والواقع؛ والسلطة لا تُمارَس بالقوة وحدها، بل بالتواطؤ والصمت. وكل هذه العناصر، حين تتقاطع في النص، تمنحه عمقًا يتجاوز الحكاية إلى التأمل.

الجرأة الأدبية وحدود المسؤولية

الكتابة عن المحظور، وعلى رأسه الجنس، تظل من أكثر القضايا إشكالًا في الأدب العربي. غير أن الجرأة الحقيقية لا تكمن في الصدمة، بل في الوعي. نجيب محفوظ لم يكتب الجسد ليُغري، بل ليُفسّر؛ لم يكشف الرغبة ليهدم القيم، بل ليكشف هشاشتها حين تُفصل عن الإنسان. لقد أدرك أن تجاهل هذه المنطقة لا يلغي وجودها، بل يضاعف قسوتها حين تُمارَس في الخفاء.

من هنا، يصبح السؤال الأخلاقي في الأدب سؤالًا فنيًا أيضًا: كيف نكتب دون ابتذال؟ كيف نقترب من النار دون أن نحرق النص؟ الإجابة تكمن في احترام القارئ، وفي التعامل مع الموضوع بوصفه ظاهرة إنسانية لا مادة استهلاكية. فالخيال المستوحى لا يبرّر كل شيء، لكنه يضيء ما نحاول تجاهله.

القارئ شريكًا في اكتشاف المعنى

لا يكتمل النص الأدبي إلا بالقارئ. وحين يكون السرد نابعًا من عمق المجتمع، يشعر القارئ أنه معنيّ، أنه يرى نفسه أو محيطه في المرآة. هنا يتحول الأدب إلى حوار صامت بين الكاتب والمتلقي، حوار يقوم على الأسئلة لا على الإجابات الجاهزة. فالقصة الجيدة لا تقول لك ماذا تفكّر، بل تجعلك تفكّر.

ولهذا، فإن أعظم ما يقدمه الكاتب لمجتمعه ليس الوعظ ولا الإدانة، بل الفهم. الفهم الذي يسبق التغيير، ويمنح الإنسان فرصة لأن يرى تناقضاته دون خوف، وربما دون أقنعة.

خاتمة

إن الخيال المستوحى من المجتمع ليس ترفًا إبداعيًا، بل ضرورة فكرية. به يحفظ الأدب ذاكرة الناس، ويكشف ما يُراد له أن يبقى مخفيًا، ويمنح الصوت لمن لا صوت لهم. وكلما كان الكاتب أكثر صدقًا في غوصه، وأكثر تواضعًا أمام تعقيد الإنسان، ازداد نصه قدرة على البقاء.

هكذا، لا تكون القصة مجرد خيال، بل شهادة، ولا يصبح الكاتب مجرد راوٍ، بل شاهدًا على عصره.

الكاتبة الروائية ھدى حجاجي أحمد حين يصبح الخيال مرآة المجتمع الجارديان المصرية